التسميات

الثلاثاء، 8 مارس 2016

التطليق في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة1991م (3)

الخلع، الطلاق على مال والفدية :  

      نحيي المرأة في يوم عيدها ونواصل حديثنا عن التطليق. ولنبدأ بأقل الأسباب شأنا ً من الناحية القانونية وأكبرها من الناحية الإنسانية وهي فداء المرأة نفسها وشراؤها حريتها. وتنحصر في الخلع والفدية والطلاق على مال، وكلها طلاق بائن بمعنى أن لا يجوز إرجاع الزوجة إلا بعقد ومهر جديدين وبشروط الزواج المعروفة. ولا فرق بين هذه الأسباب الثلاثة إلا من الناحية الشكلية التي يعتد بها القانونيون فقط كثبوت نشوز الزوجة ومرور عام كامل عليه في حالة التطليق على فدية، وذكر لفظ الخلع في حالته. فملخص تلك الأسباب الثلاثة هو أن تدفع الزوجة للزوج مبلغ من المال نقدا ً أو عينا ً مقابل أن يوقع عليها يمين الطلاق. وهذا العرض في تقديري وحسب قيم مجتمعاتنا حتى الآن، هو أكبر صفعة يمكن أن توجهها لك المرأة، فحين تصل زوجتك إلى درجة أن تعرض عليك المال في سبيل أن (توريها عرض أكتافك) فهذا يعني منتهى الكره وقمة الاحتقار. ولا أظن أن رجلا ً (محدثاه نفسه) يقبل بأن يأخذ مالا ً من امرأة مقابل أن يوقع عليها الطلاق. كما أن هذا كفيل بتدمير سمعته إلى الأبد فلن يستطيع الزواج بعدها ولن ترضى فتاة أو أي أسرة بتزويجه. ولله الحمد لا أرى في محاكمنا مثل هذه الدعاوى ويمكن بقليل من الحذر أن تصنف هذه الدعاوى بدعاوى الطبقة المرفهة إذ أنها لا تعتمد على أي أسباب موضوعية يعتد بها أو تستحق الاحترام. فالكادحون مثلا ً تنتشر بينهم دعاوى التطليق للإعسار وعدم الإنفاق والغياب والحبس والضرر وكلها تعتمد على مسببات موضوعية يتحمل المجتمع ونظامه الاجتماعي الاقتصادي السياسي الكثير من وزرها. أما حينما لا تملك الزوجة أسباب جوهرية تبيح لها التطليق وتعرض المال والمال فقط فهذا في ظني يستحق البحث.

الإيلاء والظهار واللعان :

    وهي في تقديري أسباب تاريخية أنتجها نظام اجتماعي كان سائدا ً في شبه الجزيرة العربية قبل نحو 1400 عام تقريبا ً ولا أعني بهذا أنها اندثرت إلى غير رجعة فإذا تحققت شروط ظهورها فستظهر حتما ً. والإيلاء هو أن يحلف الرجل أن لا يقرب زوجته أربعة أشهر فأكثر بمعنى أن لا يقيم معها علاقة حميمة طوال هذه المدة. والظهار هو أن يشبه الزوج زوجته بمن تحرم عليه على التأبيد مثل أمه أو أخته أو يشبهها بظهرها أو أي عضو منها. وهي تحمل نفس دلالة الإيلاء وهي تحريم أن يقيم معها علاقة حميمة. ففي هذه الحال يمكن للزوجة أن ترفع دعواها أمام المحكمة فتخيره المحكمة بين الفيء (هكذا يسمونها) أو الطلاق. وبلغة اليوم إما أن يتراجع ويقيم علاقة حميمة مع زوجته أو يطلقها ..!!!! 
ويحدد القاضي موعدا ً للزوج لفعلها وتأتي الزوجة في اليوم المحدد فيسألها القاضي : هل فاء زوجها أم لم يفيء ..!!!! فترد إيجابا ً أو سلبا ً . فإن فاء فلله الحمد وإن لم يفعلها تطلق الزوجة. ولا ننسى أن نقول أن الزوج قبل أن يفيء يجب أن يكفر عن أيمانه بالطريقة المخصوصة الموضحة في الآيات بالإطعام أو الصيام. أما الفرق الجوهري بين دعوى التطليق للإيلاء والظهار فالأولى لا تستطيع الزوجة رفعها إلا بعد مضي فترة أربعة أشهر أما الظهار فيجوز رفع دعوى التطليق بسببه بمجرد أن ظاهر الزوج زوجته. 
     أما اللعان كسبب من أسباب التطليق فهو كذلك لا وجود له في مجتمعاتنا اليوم، وهو أن يتهم الزوج زوجته  بالزنا دون بينة، وبلغة اليوم أن يتهمها بممارسة الجنس مع آخر ولا يستطيع إثبات ذلك وفقا ً لطريقة الإثبات المنصوص عليها في الآيات وهي أربعة شهود يرون الحدث. فيتلاعنان بالطريقة التي نصت عليها آيات اللعان المعروفة ويفرق القاضي بينهما إن حلفت الزوجة. ولكن حسب المنظومة القيمية في مجتمعنا فهذا السبب لا مكان له في عالم اليوم. فما يحدث الآن في مثل هذه الحال أن يستل الزوج سكينه في التو والحين أو مسدسه أو طوريته أو أي أداة قاتلة و(يسفِّر الزوجة وشريكها الآخرة) وأحيانا يبرك فيهما خنقا ً بيديه العاريتين حتى يزهق روحيهما وتصبح القضية من اختصاص المحكمة الجنائية وليس الشرعية حيث يواجه الزوج اتهاما ً تحت المادة (130) جنائي القتل العمد. ودائما ً ما يلوح مثل هذا الزوج في أعين الجمهور وبعض القضاة كبطل كامل الدسم ويختال محاميه داخل قاعة المحكمة مستعرضا ً ملكاته الخطابية بينما يكون خصمه، ممثل المدعي العام يشعر بغير قليل من العار والذنب مما قد يؤثر على أدائه.

ونختم بالأمير الشاعر وثورة شكه المدمرة حين يقول :

أكاد ُ أشك ُّ في نفسي لأني     أكاد ُ أشك ُّ فيك ّ وأنت مني
يكذِّب فيك َ كل َّ الناس قلبي   وتسمع فيك كل َّ الناس أذني
وما أنا بالمصدِّق فيـك قولا ً  ولكني شقيـت ُ بحسـن ظني
............................

الخميس، 3 مارس 2016

التطليق في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م (2)

حول حقوق المرأة وضرورة التطليق :

  وبما أن الزواج هو عقد بين طرفين يرتب حقوقا ً والتزامات متقابلة مثله مثل باقي العقود المدنية فإنه يلزم أن تحكمه القاعدة العامة للعقود الملزمة للطرفين وهي عدم جواز فسخ العقد والتحلل من شروطه بإرادة منفردة فإما أن يفسخ العقد برضا الطرفين وتسمى إقالة أو بدعوى فسخ أمام المحكمة يرفعها الطرف المتضرر طالبا ً فسخ العقد لأسباب يراها. (وفقا ً لهذه القاعدة العامة إذا قال رجل غاضب لامراته: أنت طالق. فما عليها إلا أن تنفجر في الضحك مثل أي منا لو قالت له زوجته الآن: أنت طالق). إذ لا يستطيع أي من طرفي العقد إنهاءه بإرادة منفردة حتى ولو كان رجلا ً صنديدا ً تخر له الجبابر ساجدينا، ذلك وفقا ً للقاعدة العامة وبالمختصر المفيد (لا يستطيع أي رجل أن يطلق زوجته أو يهددها بالطلاق أو حتى أن يحلف بالطلاق كعادتنا نحن السودانيون حينما نريد أن نؤكد صدق حديثنا). وعلى عكس رأي جمهور الزوجات في هذا الحلف وأنه يدل على الاستهتار بهن أقول أن حلفنا بالطلاق هذا هو الدليل على تقديسنا للعلاقة ورفعها مكانا عليا مما يدخلنا في الشرك على رأي الإخوة الوهابيين والعياذ بالله.
  
  ولكن فقهاء الشريعة الاسلامية يخرجون عقد الزواج من مفهوم العقد المدني لخصوصية عقد الزواج كما أن الشارع خلافا ً للقاعدة العامة أنزل نصوصا ً منح فيها أحد طرفي العقد وهو الرجل حق فسخ العقد بإرادته المنفردة وهي نصوص محكمة وواضحة لا لبث فيها والآيات معلومة ومعروفة ومحفوظة للجميع وليس هنالك مجال لتأويلها أو تعديل ما جاء فيها إلا باللجؤ للمنهج التاريخي في التفسير والذي لا طاقة لأحد ٍ باحتمال تبعاته كما أنه يحتاج ليس لشيوخ دين شجعان ومنفتحي الذهن فقط ، بل لجمهور واع ٍ ومنفتح القلب والبصيرة ويدرك جوهر التدين. 
      وعلى الرغم من أن الشارع قد منح الرجل حق فسخ عقد الزواج منفردا ً في نصوص واضحة جلية ومنع عنه المرأة إلا أن الواقع العملي أبرز ضرورة حفظ حق المرأة في الطلاق أو حتى حقها في الشكوى من ظلم الشريك لمن يستطيع حمايتها منه تلك الحماية التي قد تمتد لتصل إلى التحقيق في الضرر المدعى به وأسبابه وهل قابل للمعالجة أم لا. ولا هذه هي التي تعنينا فإذا كان غير قابل للمعالجة فلا حل سوى فسخ العقد والفراق وإذا رفض الظالم وهو من بيده الحق في الطلاق إذا رفض أن يطلق فما الحل ومن هنا برز مصطلح التطليق وهو فسخ العقد بواسطة المحكمة. وهو بدون مواربة تطليق المرأة للرجل إذ أن الحكم يصدر بناء على رغبتها هي ووفقا ً للأسباب التي ذكرتها في عريضة دعواها واستطاعت اثباتها ببينتها شهودا ً أو مستندات وفي بعض الحالات التي سيأتي شرحها لاحقا ً تملك أمر نفسها فتطلقها أو يطلقها القاضي ولا بأس من تأكيد فقهائنا على أن القاضي يوقع الطلاق على المرأة وليس الرجل فهذا خلاف شكلي لا يغير في النتيجة شيئا ً. ولكن أجمل التناقضات التي تحدث في محاكمنا اليوم هي أن تنطق مولانا قاضية الأحوال الشخصية وهي امرأة حكمها قائلة : 
(حكمت لفلانة بنت فلان بطلاقها من فلان بن فلان طلقة بائنة للضرر مسندة إلى تاريخ اليوم الثالث من مارس 2016م وأمرتها أن تحصي عدتها وفهمت). 
ها نحن نرى أن المرأة استطاعت أن تطلق الرجل أخيرا ًوحتى إن كان زوج امرأة أخرى ولكن تم تطليقه بنجاح.

حول الماجدة والأنيق :

   وكان باستطاعتها تطليقه بتحويل باب الخباء إلى الجهة المعاكسة فقط فإن كان يفتح شرقا ً وجهته غربا ً والعكس وكان الأنيق يأتي ممتطيا ً فرسه مرهقا ً متعبا ً ولكن ملأ ثيابه زهوا ًبعد أن نازل في جرأة الشياطين وانتصر على من وصفه (أبو الطيب) بقوله:
 يطأ الثرى مترفقا ً في تيهه    فكأنه آس يجس عليلا
في وحدة الرهبان إلا أنه       لا يعرف التحريم والتحليلا
متخضب ٌ بدم الفوارس لابس ٌ في غيله من لبدتيه غيلا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا    تحت الدجى نار الفريق حلولا
وتظنه مما تزمجر نفسه   عنها لشدة غيظه مشغولا 
ورد ٌ إذا ورد البحيرة شاربا ً  ورد الفرات زئيره والنيلا
نعم نازل الأنيق أسدا ً إذا زأر في بحيرة (طبرية) سمع زئيره في (العراق) شرقا ً و(مصر) غرباً وانتصر عليه ولكن لا طاقة للأنيق بحرب الغزلان ناهيك من إهانتهن أو لطمهن. هذا الرجل الحقيقي يأتي فيجد باب الخيمة قد حوِّل عكس جهته التي يعلم فيعرف أن الماجدة قد طلقته لأسباب ٍ يجهلها فلا يفعل شيئا ً وهو القادر بل يعود من حيث أتى حزينا ً كاسف البال ينشد أشعاره للنجوم ويشهدها على صدق محبته وعمق مودته ولا يذكر الماجدة إلا بكل خير وربما صب جام غضبه على أعداء متوهمين يسميهم الشعراء بالعوازل ، إنها أخلاق الفارس التي نفتقد. أي أناقة أكثر من هذه .؟!!

ونختم بالشفيف (ناجي) :

أيها الوكر إذا طار الأليف ْ     لا يرى الآخر معنى ً للهناء ْ
ويرى الأيام صفرا ً كالخريف ْ     نائحـات كريـاح الصحـراء ْ
وهذا ما لا يدركه الزوجان إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.
..................

الأربعاء، 2 مارس 2016

التطليق في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م (1)


وانتفضنا لغبار ٍ آدمي ٍ مسنا
     وكان قانون الأحوال الشخصية للمسلمين من أبغض القوانين إلى نفسي بدأ هذا البغض من أول محاضرة فيه بكلية القانون منذ ما يقرب عن تسعة عشر عاماً وعلى ما أذكر كان موضوع المحاضرة هو العدول عن الخطبة (الخطوبة) وما يتبعه من استرداد الهدايا من مجوهرات وملابس وعطور وشكولاتة ومدمَّس وبيبسي كولا وغيرها أو ارجاع قيمتها إن تم استهلاكها (أي والله ارجاع قيمتها يوم القبض إن استهلكت. م 10) ثم تبعتها مادة تعريف الزواج فكانت القشة التي قصمت ظهر صبري ويعرفونه في م. (11) بأنه (عقد بين رجل وامرأة على نية التأبيد يحل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المشروع).
 
كلمة استمتاع هذه بدت لي في سنوات الشباب والرومانسية تلك منتهى الفجاجة والفظاظة. ويعنون بها ما عبر عنه (إبراهيم ناجي) بمنتهى الشفافية واللطف والروعة بـ(غبار آدمي مسنا). في ملحمته الرائعة (الأطلال) تلك القصيدة التي يحفظها معظم أبناء جيلي فلقد كان جزء ٌ منها ضمن المنهج المقرر للغة العربية في الثانويات أبان تلك الأيام الزاهرة. بعدها لم أعد حريصا ً على حضور محاضرات الأحوال الشخصية رغم أن هنالك درجات لا يستهان بها ترصدها الكلية لحضور المحاضرات.  فلقد كان في حضورها إهانة للكثير مما أؤمن به من قيم .

      بعد التخرج ومعمعة المحاكم وجدت أن واضعي القانون كانوا في قمة الواقعية وكنت أبعد الناس عنها. فالناس يتقاضون دون أدنى حرج ٍ في كل ما عبت على المشرع ذكره خوفا ً مني على خدش قدسية العلاقة أو حياء ً من ربط نبض الروح بتراب المادة، إنهم يطالبون باسترجاع كل ما أهدوه للحبيبة مما أنبتت الأرض من فومها وبصلها وعدسها وعلكتها وشكولاتتها ومناديلها ورقية كانت أم حريرية ويستجلبون الشهود لإثبات مقدار العطاء وزنا ً أو كيلا ً أو طولا ً وعرضا ً والكثير من الفواتير من محال مختلفة، وحيث أن ذلك كذلك فلابد من وجود قانون يحكم نزاعاتهم تلك، وبان لي جليا ً أن ذلك القانون الشائه لم تخترعه مخيلة المشرع الفظ كما كان يلوح لي أيام الصبا الباكر بل انتجه واقعنا التافه المشوه، واقعنا هو الذي انتج القانون كضرورة وليس خيارا ً كان يمكن للمشرع تجاهله. فليس بشعر (ابراهيم ناجي) وحده يحيا الانسان ومعظمنا لا يتعاطى مع (قيس) و (جميل) إلا كقصص للتسلية كما أن ليس بيننا من هو في حلم (الأحنف) فالكثير من الدعاوى يحركها الغضب والرغبة في الثأر والانتصار للذات الجريحة والكرامة المهدرة غض النظر عن العائد المادي وهذا يجعل البعض يرتكبون الكثير من الحماقات المخجلة يندمون عليها لاحقا ً. ورغم ذلك لازلت اتمنى لو أننا في شفافية (ناجي) نبكي الصرح الذي هوى والمصباح الذي انطفأ ونأبى أن نغني لسوى (ليلى) دعك من أن نفكر في استرجاع هدية ونجعل من أنفسنا أضحوكة أمام ملائكة السماء.

لابد من صنعاء وإن طال السفر :

      نعم إذا ارادت زوجتك تطليقك فستطلقك حتما ، إذن فلتفعلها بكل هدوء إذا طلبته منك ولا داعي لتعميق الجراح وتوسيع الفتق باللجوء للمحاكم وما يتبع ذلك من تشهير وسمعة وغيرها فقانون الأحوال الشخصية للمسلمين منح المرأة (13) سببا ً لطلب الطلاق أو التطليق وهي : الخلع / الطلاق على مال/ التطليق للعيب أو المرض/ التطليق للعنة/ التطليق للضرر / التطليق للشقاق / التطليق على فدية/ التطليق للاعسار / التطليق لعدم الانفاق / التطليق للغياب والفقدان والحبس/  التطليق للايلاء أو الظهار أو اللعان.
نلاحظ أن بعض هذه الأسباب تاريخي إذ لا أظن أن رجلا ً عاقلا ً في عالم اليوم يقول لزوجته : (مه ، أنت علي َّ كظهر أمي). كما نلاحظ أن الاختلاف بين بعضها شكلي ٌ فقط : خلع / مال / فدية. كما أن بعضها ليس ذا خطر.
وقبل أن ندخل في هذه المواد بالشرح ونحدد شروطها وطرق اثباتها أو نفيها لنسترح قليلا ً مع بعض أبيات (ناجي) :
يا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى           كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ      وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً        وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى
وَبِسَاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ             هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى
يَا رِيَاحاً لَيْسَ يَهْدا عَصْفُهَا     نَضَبَ الزَّيْتُ وَمِصْبَاحِي انْطَفَا
وَأَنَا أَقْتَاتُ مِنْ وَهْمٍ عَفَا             وَأَفي العُمْرَ لِنِاسٍ مَا وَفَى
كَمْ تَقَلَّبْتُ عَلَى خَنْجَرِهِ          لاَ الهَوَى مَالَ وَلاَ الجَفْنُ غَفَا
وَإذا القَلْبُ عَلَى غُفْرانِهِ              كُلَّمَا غَارَ بَهِ النَّصْلُ عَفَا
يَا غَرَاماً كَانَ مِنّي في دّمي        قَدَراً كَالمَوْتِ أَوْ فَى طَعْمُهُ
مَا قَضَيْنَا سَاعَةً في عُرْسِهِ          وقَضَيْنَا العُمْرَ في مَأْتَمِهِ
مَا انْتِزَاعي دَمْعَةً مِنْ عَيْنَه        وَاغْتِصَابي بَسْمَةً مِنْ فَمِهِ
لَيْتَ شِعْري أَيْنَ مِنْهُ مَهْرَبي      أَيْنَ يَمْضي هَارِبٌ مِنْ دَمِهِ
لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ أَغْرَيْتِني      بِالذُّرَى الشُّمِّ فَأَدْمَنْتُ الطُّمُوحْ
أَنْتِ رُوحٌ في سَمَائي       وَأنَا لَكِ أَعْلُو فَكَأَنّي مَحْضُ رُوحْ
يَا لَهَا مِنْ قِمَمٍ كُنَّا بِهَا                    نَتَلاَقَى وَبِسِرَّيْنَا نَبُوحْ
نَسْتَشِفُّ الغَيْبَ مِنْ أَبْرَاجِهَا     وَنَرَى النَّاسَ ظِلاَلاً في السُفُوحْ
ذَهَبَ العُمْرُ هَبَاءً فَاذْهَبي            لَمْ يَكُنْ وَعْدُكِ إلاَ شَبَحَا
صَفْحَةً قَدْ ذَهَبَ الدَّهْرُ بِهَا           أَثْبَتَ الحُبَّ عَلَيْهَا وَمَحَا
اُنْظُري ضِحْكِي وَرَقْصي فَرِحاً        وَأَنَا أَحْمِلُ قَلْباً ذُبِحَا
وَيَرَاني النَّاسُ رُوحَاً طَائِراً      وَالجَوَى يَطْحَنُنِي طَحْنَ الرَّحَى
كُنْتِ تِمْثَالَ خَيَالي فَهَوَى              المَقَادِيْرُ أَرَادَتْ لاَ يَدِي
وَيْحَهَا لَمْ تَدْرِ مَاذا حَطَّمَتْ       حَطَّمَتْ تَاجي وَهَدَّتْ مَعْبَدِي
يَا حَيَاةَ اليَائِسِ المُنْفَرِد ِ              يَا يَبَاباً مَا بِهِ مِنْ أَحَدِ
يَا قَفَاراً لافِحَاتٍ مَا بِهَا             مِنْ نَجِيٍّ يَا سُكُونَ الأَبَدِ
أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ          فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ
وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً        ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ
عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى       سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ
مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ           لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ
أَيْنَ مِنّي مَجْلِسٌ أَنْتَ بِهِ              فِتْنَةٌ تَمَّتْ سَنَاءٌ وَسَنَى
وَأَنَا حُبٌّ وَقَلْبٌ هَائِمٌ                 وَخَيَالٌ حَائِرٌ مِنْكَ دَنَا
وَمِنَ الشَّوْقِ رَسولٌ بَيْنَنَا              وَنَدِيْمٌ قَدَّمَ الكَاْسَ لَنَا
وَسَقَانَا فَانْتَفَضْنَا لَحْظَةً                  لِغُبَارٍ آدَمِيٍّ مَسَّنَا
قَدْ عَرَفْنَا صَوْلَةَ الجِسْمِ الّتِي      تَحْكُمُ الحَيَّ وَتَطْغَى في دِمَاهْ
وَسَمَعْنَا صَرْخَةً في رَعْدِهَا        سَوْطُ جَلاَّدٍ وَتَعْذِيْبُ إلَهْ
أَمَرَتْنَا فَعَصَيْنَا أَمْرَهَا           وَأَبَيْنَا الذُلَّ أَنْ يَغْشَى الجِبَاهْ
حَكَمَ الطَّاغي فَكُنَّا في العُصَاةْ    وَطُرِدْنَا خَلْفَ أَسْوَارِ الحَيَاةْ
أَنْتِ قَدْ صَيَّرْتِ أَمْرِي عَجَبَا       كَثُرَتْ حِوْليَ أَطْيَارُ الرُّبَى
فَإِذا قُلْتُ لِقَلْبي سَاعَةً             قُمْ نُغَرِّدْ لِسِوَى (لَيْلَى) أَبَى
حَجَب ٌ تَأْبى لِعَيْني مَأْرَبَا           غَيْرُ عَيْنَيْكِ وَتأبى مَطَّلَبَا
أَنْتِ مَنْ أَسْدَلَهَا لا تَدَّعي         أَنَّني أسْدَلْتُ هَذي الحُجُبَا
وَلَكَمْ صَاحَ بِيَ اليَأْسُ انْتزِعْهَا      فَيَرُدُّ القَدَرُ السَّاخِرُ: دَعْهَا
يَا لَهَا مِنْ خُطَّةٍ عَمْيَاءَ لَوْ        أَنَّني اُبْصِرُ شَيْئاً لَمْ اُطِعْهَا
وَلِيَ الوَيْلُ إِذَا لَبَّيْتُهَا            وَلِيَ الوَيْلُ إِذا لَمْ أَتَّبِعْهَا
قَدْ حَنَتْ رَأْسي وَلَو كُلُّ القِوَى  تَشْتَري عِزَّةَ نَفْسي لَمْ أَبِعْهَا
يَا حَبِيْباً زُرْتُ يَوْماً أَيْكَهُ          طَائِرَ الشَّوْقِ اُغَنّي أَلَمي
لَكَ إِبْطَاءُ المُدلِّ المُنْعِمِ            وَتَجَنّي القَادرِ المُحْتَكِمِ
وَحَنِيْني لَكَ يَكْوي أَضْلُعي     وَالثَّوَاني جَمَرَاتٌ في دَمي
وَأَنَا مُرْتَقِبٌ في مَوْضِعي     مُرْهَفُ السَّمْعِ لِوَقْعِ القَدَمِ

الاثنين، 15 فبراير 2016

وأعلـم ُ أنك ِ لسـت ِ بخيـر

أطياف ُ السـِّرَاج في جبـَّة ِ الحـَلَّاج

1

 ريـم ٌ ران ٍ
نـور ٌ دان ٍ
قـِدْح ٌ ثان ٍ
ظبي ٌ أهيف ُ في طلعته ِ باتت ْ أطياف ُ الأحزان ِ
هل هذا بـرق  ٌ شامي ٌ أم أن َّ المتجلي يماني ؟!
طرف ٌ يبـدو
روح ٌ تشـدو
قلب ٌ يعـدو
ومليح ٌ عند محاجره ِ يتلألأ ُ في الضـِّد ِ الضـِّد ُ
هل هذي (هند ٌ) ظاعنة ٌ أم مال َ على الثغـر ِ الوَرد ُ ؟!
عين ٌ تجـري
طلل  ٌ يغـري
سيف  ٌ يفـري
وقوافل ُ بدو ٍ تائهة ٌ في الليل ِ كما يسري تسري
هل هاج َ كُرُوم ُ حديقتنا أم ضاعت ْ أيام ُ العمـر ِ ..؟!

2

وتهلِّيـِّن أخيرا ً ... أخيـرا
كالسنـا
كالمـُنى
في جلال ِ الغيـوم ِ المطيـرة  ْ
تهلِّيِّن مفعمة ٌ بالحيـاة أخيرا 
كخفقـة ِ القلب ِ حين َ يلقى من غير ِ وعـد ٍ سميرَه ْ 
أخيرا ً ... أخيرا 
فتقدَّمي يا جميلة ْ
موكب ُ النـور ِ في انتظار ِ الأميرة ْ
والأماني ُّ والطيـوب ُ المنيرة ْ،
طفلة ٌ ترجو  اصطفاف َ الهدايا الصغيرة ْ،
عرائس َ الشوق ِ والرؤى والمهـاد َ الوثيرَ ،
قبلة َ الليل ِ والحكايا المثيرة ْ
فتقدمي يا جميلة ْ ..!
الآن َ يا جميلة ْ ..! 
هل زارك ِ الشوق ُ في الليالي الطويلة ْ ؟
ومواكب ُ البرد ِ والضنى 
وحشة ُ الروح ِ والدموع ُ المريرة ْ 
ثورة ُ الشك ِ حين َ تحيا الظنون ُ الغريرة ْ
وظلال ُ الأسى حين تكحـِّل ُ العـين َ 
فترنو الطيوف ُ الضريرة ْ؟!
تقدَّمي يا جميلة ْ ..!
الآن َ ... الآن َ يا جميلـة ْ ..!       

3 

في ليالي الشتاء ِ الحزينة ْ ،
وحين َ يخبو لهاث ُ المدينة ْ ،
يحتضن ُ المتعبون َ موقد َ الذاكرة ْ
تتبرج ُ الخاطرة ْ
تطل ُّ سنين ُ الضنى كالرِّشـَاش ْ
كوردة ٍ تزهو بأنوثتها أمام َ الفراش ْ
ويبدو البعيد ُ قريبا ً قريبا ..!
فكل ُّ لمحة ٍ عابـرة ْ
كل ُّ همسة ٍ غابـرة ْ
كل ُّ خطوة ٍ في سماء ِ الذهـول ِ الحزيـن ْ،
تشعل ُ الروح َ في مسام ِ الحنين ْ
تأخذ ُ القلب َ حيث ُ في شكـِّه ِ يكون ُ اليقين ْ
وفي ليالي الشتاء ِ الحزينة ْ،
تأمن ُ الرائعات ُ خواطرهن َّ وما مضى من حياة ْ
فيسرن ْ كالنائمات ِ
كالحالمات ِ
كورود ٍ يزهون ْ بأحلامهن َّ
كالفراشات ْ
ينقـِّرن ْ كالعصافير ِ في سما الأمنيات ْ
فلا يحصدن ْ سوى قوافل ِ الضنى التائهة ْ ..!

4

جميلة ٌ أنت ِ يا رفيقتي الجميلة ْ
كغلالة ِ الروح ِ قلبك ِ الوضيء ْ
كرعشة ِ القلب ِ في خطاك ِ النبيلة ْ
غنـِّي وراقصي شوقك ِ لا ذكرياته ْ
فارسك ِ لا رفاته ْ
اشرقي كالفجر ِ
لوِّحي ببيارق النصر ِ
مزِّقي حزنك ِ الأبدي والقيود َ النحيلة ْ
واجهي قلبك ِ المثقل ِ بالخوف ِ 
ونداء ِ السماء ِ البخيلة ْ ..!

5

أعزيـِّك ِ في ما مضى من فصول ْ
شتاء ُ المنافي
وجدب ُ القوافي
وفرط ُ الذهول ْ
وليل ٌ حزين ٌ كهـمٍّ كسول ْ
اعزِّي نفسي
فلست ِ مخطئة ً حين َ افترشت ِ الأفول ْ
وما كنت ُ مخطئا ً حين َ تناثرت ُ محتضرا ً
في عتبات ِ الذهول ْ
وها أنت ِ تهليـِّـن كالملاك ِ وحيـدة ْ
قريب ٌ مزارك ِ ، بعيـد ٌ ، بعيـدة ْ
فماذا أعددت ِ لشتاء ِ القلب ِ
غربة ِ الروح ِ في المنافي المديدة ْ ..!

6

بقـْدر ِ اتساع ِ الروح ِ ،
بقـْدر ِ الكمال ْ
يحـل ُّ الجمال ْ
بطـول ِ السراب ِ
بعمـق ِ الضبـاب ِ
بحجـم ِ العمى
يكـون ُ الظمـأ
جميلـة ٌ أنت ِ يـا حبيبتي ،   
ظامئ ٌ أنا 
تائه ٌ في مدار ِ الوجود ْ ..!
يا سراج َ المدى المستهـِلِّ
طال َ يا (ليل ُ) ليلنـا والصـُّدود ْ
يا منيتي وبعضي وكلـِّي
كلما أزحت ُ سرا ً أراه سترا ً يعود ْ
ولست ُ أرضى في العطا بالمقـِل ِّ
ليس َ مثلي ، ومثلكم مـن يجـود ْ
اتمنى والمنى بعض ُ ظلي
وصلاتي والدعا حيلة ُ المنكـود ْ
موضعي موضعي سراج التجلـَّي
نسمتي الراح ُ هيكلي في الخـدود ْ
متى يا قوم ُ يستحل ُّ المحـِلِّ ؟
متى يا قـوم ُ يفتـن ُ المريود ْ ؟
ويريني ، أريه ِ دل َّ المـُـدِل ِّ
مزجـة ٌ بها تضمحـل ُّ الحـدود ْ  ..! 
           
الخرطوم فبراير 2016م