التسميات

السبت، 31 أكتوبر 2026

الجنجويد والنيوليبرالية - قراءة في قصة (النرجسي الأخير) لمحمد بدوي حجازي

 بقلم :  د. لبنى عمران

في هذه القصة تتشابك خيوط الدراما الاجتماعية بالنقد الفلسفي المعاصر لتقدم تحليلاً صائباً يربط ما بين الغزو الجنجويدي للسودان والنيوليبرالية ويمكن صياغة الخلاصة الفكرية التي تجمع هذا العمل في النقاط المكثفة التالية :

* اغتيال الإنسان بين فكّي الوحش المادي والتوحش الافتراضي:

تُبرز القصة أن الإنسان المعاصر (الذي يمثله حسام) يقع ضحية لنوعين من الإرهاب والتدمير. الأول هو  التدمير المادي الخشن والذي تجسده بندقية الجنجويد التي تسلب الإنسان حياته وجسده في لحظة غدر. والثاني هو التدمير المعنوي الناعم وتجسده أدوات النيوليبرالية (عبر مليكة والمنصات الرقمية) التي تسلب الإنسان روحه ويقينه وقدرته على الحب والثقة والعطاء والوفاء. وفي هذا المشهد الذي يرسمه حجازي ببراعة يتكامل التوحشان. أحدهما يقتل الجسد والآخر يغتال المعنى. فإذا كانت بندقية الجنجويد تغتال الجسد في محاولتها لتفكيك الجيش وتحقيق سيولة الدولة فإن الأسرة كحصن مستهدف أيضاً من سوق الاستهلاك النيوليبرالي ويعمل جاهداً من أجل تفكيكها باشاعة الوعي الزائف وسيولة الوعي. وتكشف القصة بصيرة نافذة حول سبب استهداف الأسرة فالمنظومة النيوليبرالية لا يمكنها تحويل الإنسان إلى مستهلك مطلق ومطيع إلا إذا انتزعت منه شبكة الأمان العائلي. والأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي تقدم الدعم والعاطفة والصبر مجاناً دون مقابل مادي وتفكيكها عبر زرع الشك المتبادل (فوبيا النرجسية) يحول أفرادها إلى ذرات منعزلة تبحث عن الطمأنينة عبر شراء السلع والكورسات والاستشارات الزائفة عبر منصات الاستشارات الزوجية وغيرها وهو ما سماه الكاتب "الاستثمار في الآلام والأحزان". ويربط حجازي ما بين تفكيك الجيش السوداني وتفكيك الأسرة السودانية  وكأنه يقول أنهما متلازمان والحقيقة أن الأيدي الخفية التي تحرك الأحداث في الحالتين هي ذات الأيدي والمستفيد هو ذات الجهة والهدف هو ذات الهدف فإذا كان تفكيك الأسرة عن طريقة سيولة الوعي يؤدي إلى صناعة الفرد المستهلك المطيع الذي يحتاجه السوق العالمي فإن تفكيك مؤسسات الدولة الراسخة كالجيش يؤدي إلى سيولة الدولة وفقدان سيادتها وهذا يسهل عمل الشركات العابرة للقارات بواسطة وكلائها المحليين بتوفير موارد وأسواق ومواد خام رخيصة يحتاجها  الوحش الرأسمالي ولا يتم هذا إلا بإخضاع الدول وانتهاك سيادتها وأولى هذه الخطوات تتم بتفكيك الجيوش.

ويبحر بنا حجازي في حوارات شيقة بين بطلته ايناس وشقيقتها مليكة التي يمكن تسميتها مجازا وكيل النيوليبرال التي تحاول تحطيم كل القيم النبيلة من ايثار وتضحية ومروءة وشهامة في نفس ايناس حين تأمرها بطرد الهاربين من رصاص الجنجويد ليواجهوا مصيرهم بعيدا عن منزلها وفي سبيل ذلك لا تتوانى مليكة في تشويه صورة حسام زوج ايناس ووصمه بالمرض النفسي معتمدة في ذلك على الكتالوجات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وعبر شخصية مليكة يوضح حجازي أن الأفكار المفككة لا تأتينا دائماً من الخارج بشكل فج، بل يتشربها أقرب الناس إلينا ليتحولوا إلى وكلاء مجانيين ينشرون عدوى الشك داخل بيوتنا. مليكة لم تكن شريرة بالمعنى التقليدي بل كانت ضحية للوعي الزائف الذي أعاد صياغة عقلها وجعلها ترى في الخراب الأسري حريّة وفي الوفاء الإنساني سذاجة. وفي الجانب المقابل يبرز صوت السياسي مبرراً لعنف الجنجويد بذات الحيل النفسية الرخيصة على عبارة يرددها حجازي دائماً (وغرد أحد السياسيين على منصة اكس قائلاً ....).

إن قصة (النرجسي الأخير) ليست مجرد مرثية لحكاية زوجين فرقهما الموت والوهم، بل هي بيان نقدي (Manifesto) ضد سيولة العصر. إنها صرخة أدبية تدعو إلى إحياء القيم الصلبة كالصبر والتسامح والتضامن الإنساني والوفاء باعتبارها أسلحة المقاومة الأخيرة لحماية الروح البشرية والكيان الأسري من التلاشي في محرقة النيوليبرالية الشرسة. فالكاتب يضعنا أمام اشتباك فكري عميق بين قيم التكافل الاجتماعي التقليدية وبين التفكيك النفسي والثقافي الذي تفرضه المنظومة النيوليبرالية الحديثة.

لقد نجح النص في إبراز كيف يمكن للسياسة النيوليبرالية وثقافة الفردانية الشديدة أن تسمم الأفكار وتُعيد هندسة العلاقات الإنسانية بحيث تحيل التضحية ونكران الذات إلى مؤشرات مرضية وذلك من خلال عدة مستويات:

* تسليع المشاعر والتشكيك في المجانية:

في ظل النيوليبرالية يُنظر إلى كل فعل إنساني من خلال عدسة المنفعة والتبادل الفردي. فالفكرة النيوليبرالية تفترض أن الإنسان كائن اقتصادي (Homo Economicus) لا يتحرك إلا بدافع المصلحة الذاتية. ومليكة هنا تمثل صوت الوعي المتأثر بهذه المنظومة فهي لا تستطيع استيعاب أن يقوم شخص بالفعل لمجرد النبل أو الواجب الأخلاقي والاجتماعي كالشهامة والمروءة. وبناءً على هذا التسمم الفكري يصبح أي نكران للذات أو تضحية (مثل تنظيف وإطعام أم الزوجة المريضة) فعلاً مريباً يجب تفكيكه والبحث عن دوافعه الخفية كشبهة الإخضاع والسيطرة، لأن المنظومة الإيديولوجية التي تنطلق منها مليكة لا تؤمن بوجود فعل خيرٍ مجاني.

أضف إلى ذلك أن إحدى أبرز أدوات الثقافة النيوليبرالية هي تحويل المشاكل والقيم الاجتماعية إلى مصطلحات نفسية وعيادية مثل: (النرجسية، الاضطراب الحدي، السيطرة). فبدلاً من رؤية فعل حسام كسلوك اجتماعي أصيل ينبع من قيم المروءة السودانية أو الإنسانية سارعت مليكة إلى استخدام ترسانة المصطلحات النفسية الغربية (اضطراب نفسي حدي نرجسي مهووس بالتميز). وهذا الاختزال يحول التكافل الأسري من قيمة أخلاقية تُحمد إلى عرض مرضي يُشخّص وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفكيك الروابط الأسرية وجعل الأفراد يعيشون في حالة من الشك الدائم تجاه المقربين منهم.

يقول حجازي على لسان مليكة :( إن حسام يتمثل كل القيم التي اتفق المجتمع على إعلاء شأنها). هذا ما لا تريده النيوليبرالية  فهي تسعى دائماً إلى تفكيك الاتفاق المجتمعي وتحويله إلى صراع قوى فردي. المشاعر النبيلة مثل الامتنان التي شعرت بها إيناس تحولت بفعل تحليل مليكة إلى فخ أو أداة استلاب. وتسمم أفكار إيناس يظهر في جعلها تشعر بالخوف أو الذنب تجاه امتنانها الفطري، وبدلاً من أن ترى في زوجها سنداً في وقت الشدة تصبح مدفوعة للبحث عن مؤامرة نرجسية خلف كل طبق طعام يغسله أو رعاية يقدمها لأمها. لقد تغلغلت السياسة والوعي النيوليبرالي في عقل مليكة ومن ثم إيناس لدرجة أنها أفقدتهما القدرة على تصديق الخير الفطري. تحولت التضحية من أسمى تجليات الإنسانية إلى أخطر أدوات السيطرة النفسية. القصة هنا لا تدين حسام بقدر ما تدين العدسة الحديثة والمسمومة التي باتت الشخصيات ترى بها بعضها البعض حيث أصبح التحليل النفسي البارد سلاحاً لتدمير الدفء الاجتماعي والأسري التقليدي.

وفي البداية استجابت إيناس لموقف زوجها في مرض امها بفطرتها السليمة رأت في زوجها حسام بطلاً شهماً (رجل حين يتطلب الموقف شدة وامرأة حين يتطلب الأمر حناناً ورعاية). هذا الشعور بالامتنان هو الرابط العاطفي والاجتماعي الأساسي الذي يبني البيوت ويحمي العلاقات. وعندما تدخلت مليكة بتحليلها النيوليبرالي/النفسي لم تُغير إيناس رأيها فحسب بل جرى اغتيال شعورها بالامتنان. وبدلاً من أن تعيش إيناس راحة نفسية لأن والدتها المريضة محاطة بالرعاية والاهتمام من زوجها المحب الوفي تحول هذا الأمان إلى حالة طوارئ نفسية. لقد تم حرمانها من أن تستمتع بمشاعر المحبة والتقدير التي يبذلها زوجها لها ولعائلتها واستُبدلت بخوفٍ دائم من أن تكون ضحية خاضعة لسيطرة زوجها. فإيناس تمثل الشخصية الممزقة بين عالمين:

• العالم التقليدي/الاجتماعي الذي يعلي من شأن ابن الأصول الوفي المخلص الذي يقف مع أهل زوجته في الملمّات ويغسل وينظف دون كبرياء والعالم النيوليبرالي الحديث الذي يرفع شعارات الاستقلالية الفردية الشديدة والحذر من الآخر ويصنف الناس وفق كشوفات الأمراض النفسية (نرجسي، حدي، سام). وهذا التنازع يجعل إيناس تفقد الثقة في بوصلتها الداخلية. إنها لم تعد تصدق عينيها وما تراه من أفعال حسام الملموسة بل أصبحت بحاجة إلى خبير نفساني أو مرشد (مثل مليكة) ليخبرها كيف يجب أن تشعر تجاه زوجها. وهذا هو قمة الاستلاب الفكري. والخطورة في تبني إيناس لأفكار مليكة تكمن في مفهوم (تسليح الضحية بالوهم). فالمنظومة النيوليبرالية تقنع الفرد (وخاصة المرأة في العلاقات) بأنها دائماً مستهدفة ومحاطة بالذئاب النرجسية. وحين تقتنع إيناس بأن شهامة حسام هي مؤشر لاضطراب نفسي وهدف للإخضاع فإنها تدخل تلقائياً في دور الضحية المستهدفة.وهذا التحول يدمر قدرتها على الفعل والمبادرة فبدلاً من أن تبادله العطاء بالعطاء تصبح في حالة دفاع مستمر عن النفس ضد "عدو متخيل" يصنع الخير لرعايتها ورعاية أمها.

والنتيجة الحتمية لتسمم أفكار إيناس هي استحالة العيش في سلام. فالنيوليبرالية بتركيزها على الفردانية تفكك مفهوم الجسد الواحد في الزواج.

و إذا كان الخير والتضحية والشهامة قد أصبحت أدوات للمرض النفسي والسيطرة فماذا تبقى لحسام ليفعله حتى ترضى عنه هذه العدسة المسمومة؟ لقد أصبحت إيناس بفعل أفكار مليكة تعيش في بيئة "بارانويدية" (ارتيابية) بامتياز حيث يصبح الجميل قبيحاً وتصبح الرعاية قيداً ويصبح السند فخاً. باختصار  إيناس في قصة محمد بدوي حجازي هي الضحية الحقيقية لـ نفسنة المجتمع حيث جردتها الأفكار المستوردة والتحليلات الباردة من أثمن ما تملكه الزوجة والابنة في تلك اللحظة وهو حقها الفطري في الشعور بالأمان والامتنان والراحة لأن والدتها في أيدٍ أمينة.

تصل السخرية السوداء والنقد الموجه للمنظومة النيوليبرالية في هذه النهاية الفاجعة إلى ذروتها المرعبة حيث يقتل حسام برصاص الجنجويد وتكون اخر كلماته موجهة إلى زوجته (احبك يا ايناس) فتفسر مليكة تلك العبارة لشقيقتهاىبقولها : (هو لا يحبك لكن يريد أن يجعلك أسيرة ذكراه حتى وهو ميت. بريدك أن لا تستمتعي بحياتك) وتكشف عبارة مليكة هذه عن تشوه كامل في الوعي الإنساني وتتقاطع مع النيوليبرالية في أعمق مستوياتها الفلسفية والاجتماعية عبر عدة نقاط:

*  تسليع وتسييس المشاعر حتى الموت:

في الفلسفة النيوليبرالية لا وجود لشيء اسمه المجانية أو العفوية. كل فعل لا بد أن يعود بالربح أو الخسارة أو الأنانية.

 فعبارة حسام الأخيرة "أحبك يا إيناس" هي أسمى تجلٍّ للمشاعر الإنسانية الحرة لحظة تنجلي فيها كل الخلافات التافهة أمام حقيقة الموت والعدوان الذي يمثله بطش الجنجويد. لكن مليكة تخصعها وتخضع الموت نفسه لآليات التلاعب النيوليبرالي إنها ترفض تصديق أن هناك دافعاً إنسانياً نبيلاً خالصاً وتحول كلمة "أحبك" الصادرة من رجل يحتضر إلى استراتيجية نرجسية خبيثة للاستثمار الآجل.

* التشكيك المطلق وهدم اليقين الأخير:

سبق وأن أشار حجازي في بداية القصة إلى أن هذه الاستشارات تجعل الناس "يشككون في كل شيء ويؤمنون باللاشيء. وهنا، تُطبق مليكة هذه القاعدة حرفياً فالموت الذي هو الحقيقة المطلقة التي تهتز لها النفوس وتذوب عندها الأحقاد عجز عن زحزحة قناعاتها الملوثة بكتالوجات المنصات. فالنيوليبرالية تريد هدم أي يقين يمنح الإنسان السكينة فإذا شكت إيناس في صدق زوجها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فلن يبقى لها في هذا الكون أي أمان أو قيمة تؤمن بها لتتحول تماماً إلى تلك الذات العدمية الوحيدة المستسلمة لآليات السوق.

* تقديس "الاستمتاع الفردي الفوري" (The Commodit of Hedonism)

يتجلى الفكر النيوليبرالي بوضوح في عبارة مليكة: "حتى لا تستمتعي بحياتك".  فالمنظومة الحديثة تروج لفكرة أن الهدف الأسمى للوجود هو "الاستمتاع الفردي الخالي من الالتزامات والأحزان أو عقد الذنب" (Hedonism). ووفقاً لهذا المنطق، فإن الوفاء لذكرى الزوج الراحل أو لحزن عليه أو تذكر حبه هي مجرد معوقات تعطل إيناس عن العودة السريعة لسوق الاستهلاك والاستمتاع الفردي. فمليكة ترى الحزن والوفاء خسارة استثمارية يجب التخلص منها فوراً عبر شيطنة حسام حتى وهو جثة هامدة.

* المفارقة التاريخية والواقعية (النيوليبرالية مقابل التوحش):

يصنع الكاتب محمد بدوي حجازي مفارقة سردية مذهلة وقاسية فعلى الأرض هناك توحش مادي حقيقي (الجنجويد) ينهي حياة الإنسان بطلقة أو سكين ويتم التبرير له عبر سياسيين محليين (وغرد أحد السياسيين على منصة اكس بقوله .... ،) وفي الوعي هناك توحش نيوليبرالي افتراضي (مليكة ونصائحها) يجهز على ما تبقى من روح وثقة داخل إيناس. 

يمكن القول إن التواطؤ بين الجناحين (الجنجويدي/السياسي والنيوليبرالي/مليكة) ليس مجرد تقاطع عابر، بل هو "تواطؤ بنيوي ووظيفي" كامل يعتمد على استراتيجية "التفكيك والسيولة" لإعادة صياغة واقع السودان.

إن الصوت الثالث المبهم (السياسي على منصة إكس أو فيسبوك) يمثل حلقة الوصل والراعي الأيديولوجي الذي يربط بين توحش السلاح وتوحش الفكرة. ويمكن تحليل هذا التواطؤ والترابط العضوي بينهما من خلال الأبعاد التالية:

1. وحدة الهدف: "التفكيك والسيولة" (Liquidity & Deconstruction)

• على المستوى المادي (الجنجويد والسياسيين): يسعى الغزو العسكري المدعوم إقليمياً ودولياً إلى تفكيك مؤسسات الدولة الصلبة، وعلى رأسها الجيش السوداني، وتحويل الدولة إلى كيان "سائل" بلا سيادة، يسهل تقاسمه وإدارته عبر وكلاء محليين (الطبقة السياسية).

• على المستوى القيمي والمعرفي (مليكة والنيوليبرالية): تسعى مليكة وثلة النيوليبرال إلى تفكيك المؤسسة الصلبة المقابلة في المجتمع وهي "الأسرة"، وإحلال "سيولة الوعي" محل الوعي الوطني أو الأخلاقي الثابت. هنا يلتقي الطرفان: فكما يحتاج الجنجويد إلى غياب "الدولة الصلبة" ليمارسوا نهبهم، تحتاج النيوليبرالية إلى غياب "الإنسان الصلب" ذي الانتماءات المحددة (دين، وطن، أسرة) ليمارسوا تسليعه وتدجينه.

2. الدور الوظيفي للصوت الثالث (الطبقة السياسية ومليكة)

الراوي يشير بذكاء إلى حركة دائرية خطيرة: (يغرد السياسي تعيد مليكة التغريدة). هذا التفاعل الرقمي البسيط يلخص تحالفاً غير مكتوب:

• التغطية الأخلاقية والسياسية: الطبقة السياسية توفر الغطاء السياسي لجرائم الجنجويد تحت لافتات براقة مثل "التحول الديمقراطي" أو "محاربة دولة 56" أو محاربة الكيزان.

• التسويق الثقافي والشرعنة: تأتي مليكة (التي تمثل النيوليبرالية) لـ "إعادة التغريد"، وهي هنا ليست مجرد حركة تقنية، بل هي عملية إعادة إنتاج الخطاب السياسي وتغليفه بقيم العولمة والنيوليبرالية. إنها تحول الجريمة المادية للجنجويد إلى "فعل تحرري" أو "تحصيل حاصل" ضمن سياق التشكيك في كل الثوابت الوطنية.

3. الإيمان باللاشيء كممر آمن للتوحش

عندما تنجح مليكة وثلتها في نشر "الإيمان باللاشيء" والتشكيك في كل شيء (الجيش، الوطن، التاريخ، القيم الأسرية)، فإنها تخلق فراغاً وجودياً ونفسياً لدى الفرد والمجتمع.

هذا الفراغ هو المناخ المثالي لـ:

• تطبيع الجريمة: يصبح تفكيك الدولة واحتلال البيوت وانتهاك الأعراض مجرد "وجهات نظر" أو "إفرازات حرب طبيعية" في نظر الوعي السائل، بدلاً من كونها جرائم وجودية تستدعي المقاومة الصارمة.

• كسر إرادة المقاومة: التشكيك النيوليبرالي يضرب "مركزية الفكرة الوطنية"، وحين يفقد الإنسان إيمانه بالوطن أو المؤسسة الشارعة له، يصبح عاجزاً عن الدفاع عنهما، مما يسهل مهمة الجنجويد في السيطرة المادية.

فالقصة تكشف بدقة عن مقص ذي شفرتين يُراد به قطع شرايين المجتمع السوداني:

• الشفرة الخشنة (الجنجويد): لتدمير البنية التحتية، والمؤسسة العسكرية، وتهجير السكان.

• الشفرة الناعمة (مليكة والمنظومة النيوليبرالية): لتدمير البنية الفوقية (الوعي، الأسرة، الأخلاق) حتى لا تقوم للمجتمع قائمة بعد الحرب.

والصوت الثالث (السياسي) هو المقبض الذي يمسك بالشفرتين ويوجههما لخدمة المشروع الإقليمي والدولي؛ فالتواطؤ هنا تواطؤ وجودي: الجنجويد يمحون الدولة من الأرض، ومليكة تمحوها من العقول

وبينما يموت حسام مقتولاً بـ رصاص التوحش تقتل مليكة معناه وإرثه العاطفي بسموم الوعي النيوليبرالي السائل مما يجعل الجريمة الثانية لا تقل بشاعة عن الأولى فالأولى أعدمت الجسد والثانية اغتالت المعنى والروح.

ومن خلال هذه النهاية، يصرخ حجازي محذراً: إن خطورة النيوليبرالية وثقافتها النفسية المغشوشة لا تكمن فقط في تخريب العلاقات أثناء الحياة بل في قدرتها على تسميم الموت والشهادة واللحظات الإنسانية الأخيرة وتحويل أقدس العواطف إلى مجرد أدوات تلاعب متبادل ليخرج الإنسان من مجتمعه وأسرته عارياً من أي قيمة وحيداً تماماً وعاجزاً حتى عن الحزن الصادق. هذه النهاية الصادمة تغلق الدائرة الفكرية للقصة بشكل كامل.

........    

د. لبنى عمران 

اكتوبر 2026

الأحد، 4 أكتوبر 2026

ما اختيارك

في الألم طال انتظارك 

والألم كان انتصارك 

ده اختيارك وما اختيارك ..! 

ماشي وين، لي وين مسارك؟! 


ارتضيت العتمة دارك 

وكان مدار التيه مدارك 

لا فرح في مرة زارك

لا جميل طاف في مزارك   

ده اختيارك وما اختيارك ..!

ماشي وين، لي وين مسارك ؟!


يا ودود والصبر جارك 

يا صبور والود جوارك 

مين يهدهد نوح هزارك ؟!

ومين يسامر انكسارك ؟!

ده اختيارك، وما اختيارك ..!

ماشي وين، لي وين مسارك ؟!


الجمال كان ازدهارك

يا نبيل في احتضارك 

كيف يكون في الريد ودارك ؟!

وليه تكون الجنة نارك ؟!

ده اختيارك وما اختيارك ..!

ماشي وين، لي وين مسارك ؟؟

............

محمد بدوي حجازي 

أم درمان - اغسطس 2026

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

النرجسي الأخير

-  الصالون خالِِ ومغرِِ يا إيناس، غالباً سيأتي بعضهم يطلبه، ربما أخوات زوجك، أو بنات خالي عز الدين. فكِّري في بعض الأعذار من الآن. لا تسمحي لأحدِِ بالسكنى فيه.

هذه الرسالة جاءت عبر تطبيق واتس آب من وراء البحار، من د. مليكة الزبير، أخصائي التنمية النسوية ورئيسة منظمة ثلاثة نون ونصف لحقوق المرأة، كما عرَّفت نفسها في صفحتها الشخصية على فيس بوك. 

كانت الخرطوم حينها تحتضر، الحرائق تلوِّن سماءها والدم والقهر يغطي أرضها. كان الجنجويد القادمون من الصحارى الغربية، شعثاً غبراً، يحتلون المدينة، ينهبون البنوك والبيوت، يدمرون الجامعات والمتاحف والمستشفيات، يحرقون المكتبات والحدائق والأسواق، يشعلون النار في كل شيء. كانوا مزهوين بأنفسهم، مغترين بأعدادهم التي لا تُحصى، يقول البعض أنها تفوق جيش الدولة النظامي أضعافاً مضاعفة، إلى جانب قوة آلتهم الحربية وتفوقها وكمال عتادهم، فظلوا يرددون أمام سكان المدينة المقهورة بكل ثقة:

-  نحن الجنجويد. نقتل وننهب ونسلب ونغتصب، نأخذ حقنا عنوةً واقتدارا، نصيبنا في الثروة والسلطة الذي حرمنا منه زمناً طويلاً.

أحد الزعماء السياسيين شكَّك في ما قاله الجنجويد وغرد على منصة أكس قائلاً: 

- "أيها المواطنون الطيبون، هؤلاء الأشخاص الذين ترونهم يفعلون الشر، يزعمون أنهم الجنجويد، فلا تصدقوهم، هذا الأمر خطير جداً ويحتاج إلى التريث، كيف نوقن أنهم الجنجويد؟! ربما كانوا شيئاً آخر".

يومها أمَّنت د. مليكة على قوله واعادت نشر تغريدته بينما سخر بعض الناشطين الشباب من هذا التدليس واغلظوا لصاحبه القول. 

قادة الجيش الوطني محاصرون داخل ثكناتهم وقد أحاطت بهم أرتال من المدرعات والدبابات والمدافع والقناصة من كل حدبِِ وصوب، قائد الجنجويد يطلب منهم الإستسلام حالاً وإلا فالموت، بينما استباح جنوده المدينة يقتلون وينهبون ويغتصبون مَن يستحسنون من النساء ويطردون السكان من منازلهم ليستعمروها. بعض الجهات عابت على الجنجويد إحتلال بيوت المواطنين وطالبتهم بالخروج الفوري منها. علَّق  أحد الزعماء السياسيين في صفحته بفيس بوك على الطلب بقوله: 

- "كيف نطالب الجنجويد بالخروج من بيوت المواطنين بعد أن غنموها، كيف يخرجون منها هكذا ببساطة؟! لابد أن يكون ذلك وفقاً لتسوية سياسية شاملة".

بدا هذا الرأي وجيهاً وحكيماً في عيني د. مليكة فزينت المنشور بعلامة احببته وشاركته على صفحتها.

كان ليل الخرطوم حينها وحشياً همجياً ومرعباً، ونهارها قاتماً، مظلماً يظله الموت، رائحة الدماء والعفونة تغطي كل شيء، الكثير  من الجثث المتحللة تُرِكت ملقاة على الطرقات ووسط الأحياء المهجورة وقد انتفخت في مشهد مزرِِ يجسد هوان الإنسان وبؤسه. أحياء المدينة العتيقة غرب النهر كانت أحسن حالاً وتتمتع ببعض الأمان حيث تقطن أسرة الزبير محمود والد إيناس ومليكة مما جعلها قبلة الناجين من الأحياء الأخرى فأخذوا يتسللون إليها زرافاتِِ ووحدانا. هذا ما جعل د. مليكة تخشى أن يلجأ بعض أقاربهم إلى منزل والدها طلباً للنجاة فأرسلت تلك الرسالة من مهجرها بأمريكا عبر تطبيق واتس آب إلى شقيقتها محذرة إياها من استقبال أي من أولئك الناجين دون أن تبديء سبباً لهذا التحذير.

إيناس لم تشغل نفسها بالتفكير في فحوى رسالة شقيقتها، لم تتساءل عن سر هذا اللؤم الفاحش ولم تستنكره، بل ردت على الرسالة ببساطة قائلة:

- مستحيل. لن يجرؤ أحد على طرق بابنا.

دفعت إيناس الرسالة إلى وجهتها ثم ارسلت رمز الإصبعين المفرودين علامة النصر، ليأتيها رد شقيقتها من وراء البحار مؤكداً في صرامة: 

- لا مستحيل أبداً، فحين يلعلع الرصاص وتبدأ مدافع الجنجويد الحصاد، سيهرع الجميع مرعوبين طلباً للنجاة ستكون وجهة بعضهم بيتنا. جهزي اعتذارك الآن ولا تمنحي أياً منهم بصيص أمل.

ويبدو أن كبار السياسيين كان رأيهم من رأي د. مليكة فلقد غرد أحدهم لاحقاً على منصة اكس بقوله: 

- لابد من إنشاء معسكرات نزوح لهؤلاء الناجين خارج المدينة، معسكرات آمنة تحت إشراف منظمات دولية.

واردفت مليكة محذرة شقيقتها برسالة على واتس آب: 

- لا تستحي في الحق ولا تتركي حسام يضللك بعاطفيته وضعف شخصيته، نحن لسنا مسؤولين عن مصير أهله، يكفي أننا قبلناه  فرداً في عائلتنا وزوجناك له وصبرنا عليه وهو عقيم.

بان التوتر على ملامح إيناس بعد تلك الرسالة. ثم علقت عليها بالرمز أحزنني.

فكرتْ، طوال سنين زواجهما كان حسام نموذجاً للزوج المحب الوفي العطوف، إنه يحبها ويحترمها ويعلي من شأنها وشأن أهلها، ولولا علته تلك لكان زواجهما مثالياً، فبعد أن تأخر حملها طويلاً أثبتت الفحوصات أن حسام عقيم ولم تفكر حينها في الإنفصال عنه، عظيم حبه وجميل اهتمامه عوضاها عن حرمان الأمومة، كانت أميرته المطاعة وطفلته المدللة، ورغم ذلك كان يلازمها الضيق أحياناً لغير سبب فتثور في وجهه وتجرحه ببعض العبارات المهينة التي لا تلقي لها بال، ولكن حسام ظل يسامحها المرة تلو المرة ويغرقها في حبه واهتمامه أكثر وأكثر. وكان هذا يسعدها كثيراً وتقول في نفسها لو لم يكن عقيماً لكان أفضل الأزواج. ما لم تكن إيناس تعلمه هو أن حسام قد تلاعب بنتيجة الفحص الطبي قبل عرضه عليها، فالحقيقة أن حسام يتمتع بصحة موفورة وأن إيناس هي العاجزة عن الإنجاب.

فكرت إيناس قليلاً لتختار كلماتها بعناية ثم جرت أصابعها على لوحة المفاتيح لتكتب:

- حسام طيب القلب ونحن مدينون له بالكثير، ليس من الذوق أن اطرد أهله في مثل هذه الظروف.

دفعت إيناس العبارة أعلاه عبر التطبيق مخاطبة مليكة التي ردت بكلمة واحدة: 

- العوارة ..!

اخترقت الكلمة قلب إيناس كرصاصة مدوية، دارت عيناها في محجرهما لثوانِِ ثم انكمشت في مقعدها وقد فاجأها البرد المميت. لسبب لا يعلمه أحد كان لهذه الكلمة أثراً سحرياً على عقل إيناس منذ طفولتها الباكرة، تحيلها عجينةً طائعةً بين يدي مليكة، فتراها تصفق احتفاءً بكل ما تصدره شقيقتها من جهالة وتنفذ كل ما تشير به من خطل. واردفت مليكة مواصلة هجومها العنيف: 

- كما أخبرتك من قبل، حسام ليس طيباً، حسام نرجسي يتظاهر بالطيبة ليسيطر عليك ويتحكم فيك. حسام يتصرف كرجل شهم حتى يشعرك أنك مدينة له. فكري قليلاً، ما هو الدافع لكل هذه الطيبة والشهامة؟! كيف يكون في جنس الرجال رجل طيب هكذا لوجه الله؟! 

ومرت فترة من الصمت ارسلت فيها إيناس رمزاً يدل على الموافقة دون أن تطلب من المتحدثة دليلاً على صحة هذا العته لتواصل مليكة إطلاق رصاصاتها وتقول:

- حتى حينما تخطئين في حقه، يأتيك مسامحاً ومعتذراً بعد دقائق معدودة، هل تدري لماذا يفعل ذلك؟! إنه يحرجك أمام نفسك ويشعرك بالضآلة أمامه، يريد أن يقول أنه أفضل منك.

وضعت ايناس قلباً أحمر على الرسالة دون تفكير مما دفع مليكة لإرسال قبلةً صغيرة لشقيقتها والتي أخذت تجترَّ بعضاً من حواراتهما السابقة. بات من المؤكد عندها أن حسام نرجسي سام، فالنرجسي نوعان الأول ينكر أنه نرجسي والثاني يعترف، وحسام إما أن ينكر أو يعترف، ليس أمامه خيار ثالث. وأخذت المرأة تعدد صفات النرجسي كما أوضحت شقيقتها، ولدهشتها وجدتها تنطبق كلها على حسام وكأنها فصلت من أجله، لم تلاحظ ايناس في غمرة مشاعرها المضطربة أن تلك الصفات لا تنطبق على حسام وحده بل بدا وكأن هنالك من فصلها بعناية لتشمل كل جنس الرجال على ظهر الكوكب، لم تلاحظ أيُّ من المرأتين ذلك، ولم تكونا  لتعلما أن خلف ذلك الجهل المتغطرس الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى علم النفس، عقليات ماكرة، تستثمر في الأحزان والآلام وفي سذاجة البعض، في الأماني الخائبة والأحلام المجهضة وفي الأخطاء الجينية وضعف العقول. وتتخفى وراء عبارات ضخمة ورنانة، غامضة ومتعالية تقود إلى الشك في كل شيء واليقين في اللاشيء.

- وأمنا ؟ هل نسيت ما فعله حسام للمرحومة أمنا طوال فترة مرضها ؟!

اجرت ايناس يدها بالعبارة وكأنها تستنفر شقيقتها لتفسر تلك الواقعة على نحو مُرضِِ يبعد حسام عن أي دورِِ بطولي.

 ولم تخذلها مليكة إذ علقت بوجه ضاحك على سبيل السخرية ثم أخذت تطلق سيلاً من الكلمات على الشاشة بسرعة مذهلة حتى يكاد يسمع لها دوي. قالت:

- إنها أكبر خدعة انتجها ذلك العقل الماكر، ولولا ثقافتي واطلاعي الواسع في علم النفس لانخدعت بها مثلك. 

قرأت ايناس العبارة لتأخذ نفساً عميقاً وقد بان الإرتياح والرضا على ملامح وجهها. واحست أنها تتحرر من عبء ثقيل كان يضغط على قلبها. فأخذت تتابع ما تقول شقيقتها باهتمام عظيم. ومع كل كلمة تخطها مليكة كانت عينا إيناس تشرقان بالفهم العميق وتحس برد الراحة يتغلغل بلطف داخل روحها. حسام بدا لعينيها تلك الأيام شهماً عظيماً ومتواضعاً، كان  رجلاً حين يحتاج الموقف لقوة الرجل وشدته وحزمه وامرأة يطعم ويغسل وينظف حيناً آخر، كان يعتني بأمها في مرضها وكأنها أمه، فأبهر إيناس وجعلها تشعر بالكثير من الامتنان نحوه. مليكة تشرح ذلك فتقول أن ما فعله حسام ليس دليلاً على النبل والشهامة إنما هو مؤشر لإضطرابِِ نفسيِِ حَدِّي فاشستموني. تقول مليكة في تفسير ذلك:

- حسام مثله مثل أي نرجسي، مهووسٌ بالتميز والفرادة، يتمثل خلال يومه كل القيم التي اتفق المجتمع على إعلاء شأنها كالمروءة والشهامة والكرم ونكران الذات، ولكن ليس لهدفِِ نبيل، إنه يستخدمها للإخضاع والسيطرة ، وقد نجح في السيطرة عليك يا إيناس، وبدا أمامك في كل المواقف كبطلِِ أسطوري فريد، وجدك صغيرة وبريئة فأنفرد بك وخدعك ونال منك تقديراً لا يستحقه. ليس هو وحده، بل كلهم كذلك، كل الرجال مخلوقاتٌ تافهةٌ ماكرةٌ وخبيثة.

خلاصة ما استقر في روع إيناس بعد تلك الدردشة مع شقيقتها هو أن حياتها مع حسام لم تكن سوى خدعة خبيثة استمرت عشر سنوات. وأن الزواج علاقة معلولة تحمل عوامل فنائها في داخلها وأن الأسرة مؤسسة فاشلة يجب تفكيكها. لذا فهي غير مسؤولة عن حماية أي كائن في هذه الحرب حتى شقيقات حسام، إيوائهن وتأمينهن هي مسؤولية الجيش.

الجيش سخَّر كل موارده الشحيحة للدفاع عن نفسه أولا ً. يقول الجيش إن سقوط معسكراته في يد الجنجويد يعني تفكيكه وانهيار الدولة. ترك الجيش سكان العاصمة لأكثر من عام يواجهون مصيرهم بأنفسهم ومضى بعيداً يلتقط أنفاسه ويداوي جراحه. فأنفرد الوحش الهمجي بالمواطنين وأذاقهم مرَّ العذاب، سلباً ونهباً وقتلاً واغتصابا. لاحقاً اعتذر أحد جنود الصاعقة وهو يقبٌّل رأس سيدة عجوز في حي الصحافة بعد تحريره بقوله:

- آسفون يا أمي، لقد تأخرنا عليكم كثيراً، لكن لم يكن الأمر بيدنا. كان علينا أن نحافظ على عظم الجيش حتى لا ينهار ويتفكك.

واطلقت المرأة زغرودة جزلى وهي تحتضنه فأجهش المظلي بالبكاء. ثم قبل رأسها وواصل حديثه بصوت مختنق: 

- يعلم الله إنا كنا نحترق ونحن نراكم تُهانون وتُقتلون وتُذبحون وتُنهب مساكنكم ولكن لم يكن هناك شيء لنفعله حينها.

بعض شباب المدينة العتيقة غرب النهر تصدوا للدفاع عن مدينتهم حين هاجمها الجنجويد، لم يكونوا يملكون من السلاح إلا القليل، مجموعة صغيرة من البنادق البدائية وقفت شامخة في وجه دبابات ومصفحات ومدافع بعيدة المدى وشراسة همجية غشوم، حسام لم يكن يحسن الإمساك بالبندقية ولم يكن يدري كيف يطلق الرصاص، شرح له أحدهم ذلك على عجالة. الجنجويد هاجموا السكان بكتيبة من المشاة تدعمها الدوشكات والمدافع المضادة للطائرات ومدافع آربجي المضادة للدروع، كانت كلها تصب حممها على المدينة العتيقة فأحدثت ضرراً كبيراً في المباني والمنشآت وسقط الكثير من السكان قتلى ولكن لم تستطع السيارات والمصفحات العبور الى داخل الأحياء لتحتل المساكن بسبب الخنادق والمتاريس التي أقامها حسام وزملاؤه ذلك المساء فرجع الجنجويد خائبين. حسام أصيب بطلقة قرنوف في الجانب الأيسر من صدره، وجدوه في نهاية المعركة مغمى عليه وقد توسط بركة من الدماء. كانت الإصابة بليغة ولم يكن لينجو، وحينما اوصلوه إلى المستشفى الميداني وسط الحي كان قد فقد الكثير من دمائه، أجريت له الإسعافات الشحيحة دون جدوى ثم عاد إليه وعيه بصورة مفاجئة، أخذ يحدق في الوجوه من حوله لتستقر نظراته على وجه إيناس المتعب فتشرق عيناه ويهمس:

- احبك يا إيناس.

قالها ثم أسلم الروح. 

مليكة المعتوهة أوضحت لاحقاً لشقيقتها سر ذلك البوح برسالة واتس آب جاء فيها: 

- هو لا يحبك. لكنه قال ذلك كآخر كلماته حتى يجعلك تحزنين لموته ولا تعيشين من بعده حياة سعيدة. يريدك أن تظلي أسيرة ذكراه حتى وهو ميت.

وغرَّد أحد الزعماء السياسيين على منصة أكس قائلاً: "حسام وزملاؤه كانوا يحملون السلاح وبذلك تنتفي عنهم صفة المدنيين، إنهم  إسلاميون مهووسون، وقد أراح الجنجويد العالم من شرهم".

............

محمد بدوي حجازي 

جدة - التشاليح - أبريل 2026م

اضغط هنا لتحميل نسخة pdf

الاثنين، 11 مايو 2026

فاقدك كتير

 فاقدِك كتير  ..!

يا نجمتي البسامة يا حبي الكبير

يا أحلى كون مدهش مثير 

مشتاق أنا ..!

لي كل خطاوينا وغناوينا

وحكاوينا 

وميلادنا الأخير ..!

أيام تفوت وسنين تسير 

وأنا في ليالي الفرقة طال بي المسير

يا آية الحلوين ويا قلبي المنير  

مشتاق كتير ..!

مشتاق ألاقي رويحتي والنور والحرير

مشتاق أهدهد شوقنا لما الشوق يغير  

كنتي الأميرة الراجعة في غيم المنى 

وكنت الأمير ..!

قول لي كيف نتحمل الشوق والهجير ؟! 

يا نسمتي الرويانة يا بستان عبير ..!

قول لي ليه الدنيا بتفرِّق  سميري من السمير ؟!

وليه القدر سلمنا لي هذا المصير ؟!!

فاقدك كتير ..!

يا نجمتي البسامة يا حبي الكبير ..!

...................

جدة - التشاليح - مايو 2026م

الخميس، 19 ديسمبر 2024

عاشَ ، تألَّم ثم مَات

ها أنتَ الآنَ شَرَيداً وطَريد

في هذا الكونِ العِربيد

تتناسلُ وعداً ووعيد

تستفتي النَّجمَ الوَسنان  

وتناجي موجَ الخِذلان 

والقلبُ ينوح

لا أعرفُ لكَ ذنباً غير سُمُو الرَّوح

غير بِتلاتِ العِشقِ، سِبلاتِ الشَّوق

فراشاتِ البَوح

لا أعرفُ غيرَ جراحاتٍ أعيتك سنينا

وأنت بصومعةِ العشاق تذوبُ حنينا

تزهرُ تثمرُ عندَ الغسقِ 

فيتلألأُ دَمُك المسفوح 

ها غاصَ الخنجرُ في منتصفِ الظَّهر ..!

من أين تبدَّى هذا الخبثُ وذاكَ العُهر؟!

لن تشفعَ لكَ عند المَسخِ يدٌ سَلفت أو ذِكرى أفنان 

فالمسخُ بلا قلبٍ أو ذِاكرةٍ أو عُنوان  

والدنيا ليستْ عادلةً يا إنسان

لن تَجزي الخيرَ بخيرٍ تبسطُه 

أو تجزي الأحزانَ الأحزان 

لن تنجو، لستَ بآمنْ

لستَ بناجٍ من هذا الطُّوفان

لا جبلٌ يعصمُ لا في الأفقِ بصيصُ أمان 

لستَ بآمنْ 

لا في المسجدِ لا في دارِ أبي سُفيان

أو حتى لو تغلقُ بابك تعتزلُ العَالم 

وتناجي وحدتكِ النَّهمة

ستجدُكَ اللعنةُ حتى في خَلوتكَ الهَرِمة 

ستظلُ تطاردُكَ الأرواحُ النتنة 

تزكمُ أنفك لغلغةُ الأشباحِ العَفِنة

تذبحُكَ خناجرُهُم تلك اللاهيةُ العَطِنة

وتطلبُكَ بُعيد الذبحِ لترقصَ وتغني

تتبرأُ مِن ألمك، منِّي 

فاحذرْ أن تحزنَ أو تتلجلجَ أو ترتج    

فالحزنُ جَريمة 

وسطوعُ الألمِ جَريمة

ومقاومةُ الجلادِ جَريمة 

 ألمُكَ مَجروح 

حزنُك مشكوكٌ في صِحته

مَوتُكَ تمثيلٌ مَفضوح

كيف يموتٌ الرجلُ العاقلُ

إن غاصَ الخنجرُ في أحشائه حتى النَّصل ؟! 

أو طارَ الرأسُ بضربةِ سيف ؟! 

كيفَ يموتُ ؟! 

وما هذا التدليسُ الحَيْف ؟!

فتقبَّلْ هَذا يا هَذا مِن غيرِ ضجيجٍ، لا تحتج

إن تفعلَ تُذبحُ ثانيةً 

ويبدَّل جلدَكَ ذاك المُحترقُ الفَج.

...............

ديسمبر 2024

الجمعة، 12 يوليو 2024

خلَّيكْ معاي

 خلِّيكْ معاي ... 

يا بهجةَ الأيام ويا ذاتي وصَفاي

يا أول الأحلام ويا آخر مناي

خلِّيكْ معاي ... 

ما كنا أحلى اتنين بيعيشوا الفرحة،

والحُلُم اللي جاي

اتفتَّحت زهرات قليبك في هواي 

وسقيت بذور الريدة من دمعي ودماي

خلِّيكْ معاي ...

بتذكَّرك لمَّن يغازل القمرَة ناي

 صَبيَّة ترسم بالنجوم فرحي وأساي

وتلعب ضفيرة السَّمحة بي أحلام صباي

خلَّيكْ معاي ...

عدَّى العُمُر وأنا لسه مسحور في غُناي

لا مَلَّ مني الشوق، ولا تِعبَت خُطاي 

لا اتبدَّل الطيف الحنين، 

لا الفرحة هَلَّت في سَماي

لا اتقاصر الليل والأسى، 

لا السَّمحَة حنَّتْ لي رِضاي 

أنا بسقى ليل الوردة شوق، 

والوردة عطرها لي سواي

خلَّيكْ معاي ...

...............

يوليو 2024 - جدة

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2023

ليه القمر غايب


ليه القمر غايب ؟!! 

لا طلة بالشباك 

ولا ضيء حنين دايب ..!

ليه القمر غايب ؟!!

وين روعة الإحساس

الطيبة واللهفة ؟!!

وين الحرير والماس





وا شوقي للمرفأ

ليك غنت الأجراس 

يا روعة يا إلفة 

يا واحدة بين الناس 

ما كان هواك صدفة ..!

ليه القمر غايب ؟!!!

مستني يا راسي 

طلة جبين وخِديد   

فرح الهوى الماسي  

جنب الـ بريدو شديد 


ارحم تعال آسي 

يا بلبلي الغريد 

ليل الشتات قاسي 

والزول حبيبو بعيد ..!

ليه القمر غايب ؟!!

..............



محمد بدوي حجازي

شندي - 18 اكتوبر 2023