التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

السبت، 31 أكتوبر 2026

الجنجويد والنيوليبرالية - قراءة في قصة (النرجسي الأخير) لمحمد بدوي حجازي

 بقلم :  د. لبنى عمران

في هذه القصة تتشابك خيوط الدراما الاجتماعية بالنقد الفلسفي المعاصر لتقدم تحليلاً صائباً يربط ما بين الغزو الجنجويدي للسودان والنيوليبرالية ويمكن صياغة الخلاصة الفكرية التي تجمع هذا العمل في النقاط المكثفة التالية :

* اغتيال الإنسان بين فكّي الوحش المادي والتوحش الافتراضي:

تُبرز القصة أن الإنسان المعاصر (الذي يمثله حسام) يقع ضحية لنوعين من الإرهاب والتدمير. الأول هو  التدمير المادي الخشن والذي تجسده بندقية الجنجويد التي تسلب الإنسان حياته وجسده في لحظة غدر. والثاني هو التدمير المعنوي الناعم وتجسده أدوات النيوليبرالية (عبر مليكة والمنصات الرقمية) التي تسلب الإنسان روحه ويقينه وقدرته على الحب والثقة والعطاء والوفاء. وفي هذا المشهد الذي يرسمه حجازي ببراعة يتكامل التوحشان. أحدهما يقتل الجسد والآخر يغتال المعنى. فإذا كانت بندقية الجنجويد تغتال الجسد في محاولتها لتفكيك الجيش وتحقيق سيولة الدولة فإن الأسرة كحصن مستهدف أيضاً من سوق الاستهلاك النيوليبرالي ويعمل جاهداً من أجل تفكيكها باشاعة الوعي الزائف وسيولة الوعي. وتكشف القصة بصيرة نافذة حول سبب استهداف الأسرة فالمنظومة النيوليبرالية لا يمكنها تحويل الإنسان إلى مستهلك مطلق ومطيع إلا إذا انتزعت منه شبكة الأمان العائلي. والأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي تقدم الدعم والعاطفة والصبر مجاناً دون مقابل مادي وتفكيكها عبر زرع الشك المتبادل (فوبيا النرجسية) يحول أفرادها إلى ذرات منعزلة تبحث عن الطمأنينة عبر شراء السلع والكورسات والاستشارات الزائفة عبر منصات الاستشارات الزوجية وغيرها وهو ما سماه الكاتب "الاستثمار في الآلام والأحزان". ويربط حجازي ما بين تفكيك الجيش السوداني وتفكيك الأسرة السودانية  وكأنه يقول أنهما متلازمان والحقيقة أن الأيدي الخفية التي تحرك الأحداث في الحالتين هي ذات الأيدي والمستفيد هو ذات الجهة والهدف هو ذات الهدف فإذا كان تفكيك الأسرة عن طريقة سيولة الوعي يؤدي إلى صناعة الفرد المستهلك المطيع الذي يحتاجه السوق العالمي فإن تفكيك مؤسسات الدولة الراسخة كالجيش يؤدي إلى سيولة الدولة وفقدان سيادتها وهذا يسهل عمل الشركات العابرة للقارات بواسطة وكلائها المحليين بتوفير موارد وأسواق ومواد خام رخيصة يحتاجها  الوحش الرأسمالي ولا يتم هذا إلا بإخضاع الدول وانتهاك سيادتها وأولى هذه الخطوات تتم بتفكيك الجيوش.

ويبحر بنا حجازي في حوارات شيقة بين بطلته ايناس وشقيقتها مليكة التي يمكن تسميتها مجازا وكيل النيوليبرال التي تحاول تحطيم كل القيم النبيلة من ايثار وتضحية ومروءة وشهامة في نفس ايناس حين تأمرها بطرد الهاربين من رصاص الجنجويد ليواجهوا مصيرهم بعيدا عن منزلها وفي سبيل ذلك لا تتوانى مليكة في تشويه صورة حسام زوج ايناس ووصمه بالمرض النفسي معتمدة في ذلك على الكتالوجات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وعبر شخصية مليكة يوضح حجازي أن الأفكار المفككة لا تأتينا دائماً من الخارج بشكل فج، بل يتشربها أقرب الناس إلينا ليتحولوا إلى وكلاء مجانيين ينشرون عدوى الشك داخل بيوتنا. مليكة لم تكن شريرة بالمعنى التقليدي بل كانت ضحية للوعي الزائف الذي أعاد صياغة عقلها وجعلها ترى في الخراب الأسري حريّة وفي الوفاء الإنساني سذاجة. وفي الجانب المقابل يبرز صوت السياسي مبرراً لعنف الجنجويد بذات الحيل النفسية الرخيصة على عبارة يرددها حجازي دائماً (وغرد أحد السياسيين على منصة اكس قائلاً ....).

إن قصة (النرجسي الأخير) ليست مجرد مرثية لحكاية زوجين فرقهما الموت والوهم، بل هي بيان نقدي (Manifesto) ضد سيولة العصر. إنها صرخة أدبية تدعو إلى إحياء القيم الصلبة كالصبر والتسامح والتضامن الإنساني والوفاء باعتبارها أسلحة المقاومة الأخيرة لحماية الروح البشرية والكيان الأسري من التلاشي في محرقة النيوليبرالية الشرسة. فالكاتب يضعنا أمام اشتباك فكري عميق بين قيم التكافل الاجتماعي التقليدية وبين التفكيك النفسي والثقافي الذي تفرضه المنظومة النيوليبرالية الحديثة.

لقد نجح النص في إبراز كيف يمكن للسياسة النيوليبرالية وثقافة الفردانية الشديدة أن تسمم الأفكار وتُعيد هندسة العلاقات الإنسانية بحيث تحيل التضحية ونكران الذات إلى مؤشرات مرضية وذلك من خلال عدة مستويات:

* تسليع المشاعر والتشكيك في المجانية:

في ظل النيوليبرالية يُنظر إلى كل فعل إنساني من خلال عدسة المنفعة والتبادل الفردي. فالفكرة النيوليبرالية تفترض أن الإنسان كائن اقتصادي (Homo Economicus) لا يتحرك إلا بدافع المصلحة الذاتية. ومليكة هنا تمثل صوت الوعي المتأثر بهذه المنظومة فهي لا تستطيع استيعاب أن يقوم شخص بالفعل لمجرد النبل أو الواجب الأخلاقي والاجتماعي كالشهامة والمروءة. وبناءً على هذا التسمم الفكري يصبح أي نكران للذات أو تضحية (مثل تنظيف وإطعام أم الزوجة المريضة) فعلاً مريباً يجب تفكيكه والبحث عن دوافعه الخفية كشبهة الإخضاع والسيطرة، لأن المنظومة الإيديولوجية التي تنطلق منها مليكة لا تؤمن بوجود فعل خيرٍ مجاني.

أضف إلى ذلك أن إحدى أبرز أدوات الثقافة النيوليبرالية هي تحويل المشاكل والقيم الاجتماعية إلى مصطلحات نفسية وعيادية مثل: (النرجسية، الاضطراب الحدي، السيطرة). فبدلاً من رؤية فعل حسام كسلوك اجتماعي أصيل ينبع من قيم المروءة السودانية أو الإنسانية سارعت مليكة إلى استخدام ترسانة المصطلحات النفسية الغربية (اضطراب نفسي حدي نرجسي مهووس بالتميز). وهذا الاختزال يحول التكافل الأسري من قيمة أخلاقية تُحمد إلى عرض مرضي يُشخّص وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفكيك الروابط الأسرية وجعل الأفراد يعيشون في حالة من الشك الدائم تجاه المقربين منهم.

يقول حجازي على لسان مليكة :( إن حسام يتمثل كل القيم التي اتفق المجتمع على إعلاء شأنها). هذا ما لا تريده النيوليبرالية  فهي تسعى دائماً إلى تفكيك الاتفاق المجتمعي وتحويله إلى صراع قوى فردي. المشاعر النبيلة مثل الامتنان التي شعرت بها إيناس تحولت بفعل تحليل مليكة إلى فخ أو أداة استلاب. وتسمم أفكار إيناس يظهر في جعلها تشعر بالخوف أو الذنب تجاه امتنانها الفطري، وبدلاً من أن ترى في زوجها سنداً في وقت الشدة تصبح مدفوعة للبحث عن مؤامرة نرجسية خلف كل طبق طعام يغسله أو رعاية يقدمها لأمها. لقد تغلغلت السياسة والوعي النيوليبرالي في عقل مليكة ومن ثم إيناس لدرجة أنها أفقدتهما القدرة على تصديق الخير الفطري. تحولت التضحية من أسمى تجليات الإنسانية إلى أخطر أدوات السيطرة النفسية. القصة هنا لا تدين حسام بقدر ما تدين العدسة الحديثة والمسمومة التي باتت الشخصيات ترى بها بعضها البعض حيث أصبح التحليل النفسي البارد سلاحاً لتدمير الدفء الاجتماعي والأسري التقليدي.

وفي البداية استجابت إيناس لموقف زوجها في مرض امها بفطرتها السليمة رأت في زوجها حسام بطلاً شهماً (رجل حين يتطلب الموقف شدة وامرأة حين يتطلب الأمر حناناً ورعاية). هذا الشعور بالامتنان هو الرابط العاطفي والاجتماعي الأساسي الذي يبني البيوت ويحمي العلاقات. وعندما تدخلت مليكة بتحليلها النيوليبرالي/النفسي لم تُغير إيناس رأيها فحسب بل جرى اغتيال شعورها بالامتنان. وبدلاً من أن تعيش إيناس راحة نفسية لأن والدتها المريضة محاطة بالرعاية والاهتمام من زوجها المحب الوفي تحول هذا الأمان إلى حالة طوارئ نفسية. لقد تم حرمانها من أن تستمتع بمشاعر المحبة والتقدير التي يبذلها زوجها لها ولعائلتها واستُبدلت بخوفٍ دائم من أن تكون ضحية خاضعة لسيطرة زوجها. فإيناس تمثل الشخصية الممزقة بين عالمين:

• العالم التقليدي/الاجتماعي الذي يعلي من شأن ابن الأصول الوفي المخلص الذي يقف مع أهل زوجته في الملمّات ويغسل وينظف دون كبرياء والعالم النيوليبرالي الحديث الذي يرفع شعارات الاستقلالية الفردية الشديدة والحذر من الآخر ويصنف الناس وفق كشوفات الأمراض النفسية (نرجسي، حدي، سام). وهذا التنازع يجعل إيناس تفقد الثقة في بوصلتها الداخلية. إنها لم تعد تصدق عينيها وما تراه من أفعال حسام الملموسة بل أصبحت بحاجة إلى خبير نفساني أو مرشد (مثل مليكة) ليخبرها كيف يجب أن تشعر تجاه زوجها. وهذا هو قمة الاستلاب الفكري. والخطورة في تبني إيناس لأفكار مليكة تكمن في مفهوم (تسليح الضحية بالوهم). فالمنظومة النيوليبرالية تقنع الفرد (وخاصة المرأة في العلاقات) بأنها دائماً مستهدفة ومحاطة بالذئاب النرجسية. وحين تقتنع إيناس بأن شهامة حسام هي مؤشر لاضطراب نفسي وهدف للإخضاع فإنها تدخل تلقائياً في دور الضحية المستهدفة.وهذا التحول يدمر قدرتها على الفعل والمبادرة فبدلاً من أن تبادله العطاء بالعطاء تصبح في حالة دفاع مستمر عن النفس ضد "عدو متخيل" يصنع الخير لرعايتها ورعاية أمها.

والنتيجة الحتمية لتسمم أفكار إيناس هي استحالة العيش في سلام. فالنيوليبرالية بتركيزها على الفردانية تفكك مفهوم الجسد الواحد في الزواج.

و إذا كان الخير والتضحية والشهامة قد أصبحت أدوات للمرض النفسي والسيطرة فماذا تبقى لحسام ليفعله حتى ترضى عنه هذه العدسة المسمومة؟ لقد أصبحت إيناس بفعل أفكار مليكة تعيش في بيئة "بارانويدية" (ارتيابية) بامتياز حيث يصبح الجميل قبيحاً وتصبح الرعاية قيداً ويصبح السند فخاً. باختصار  إيناس في قصة محمد بدوي حجازي هي الضحية الحقيقية لـ نفسنة المجتمع حيث جردتها الأفكار المستوردة والتحليلات الباردة من أثمن ما تملكه الزوجة والابنة في تلك اللحظة وهو حقها الفطري في الشعور بالأمان والامتنان والراحة لأن والدتها في أيدٍ أمينة.

تصل السخرية السوداء والنقد الموجه للمنظومة النيوليبرالية في هذه النهاية الفاجعة إلى ذروتها المرعبة حيث يقتل حسام برصاص الجنجويد وتكون اخر كلماته موجهة إلى زوجته (احبك يا ايناس) فتفسر مليكة تلك العبارة لشقيقتهاىبقولها : (هو لا يحبك لكن يريد أن يجعلك أسيرة ذكراه حتى وهو ميت. بريدك أن لا تستمتعي بحياتك) وتكشف عبارة مليكة هذه عن تشوه كامل في الوعي الإنساني وتتقاطع مع النيوليبرالية في أعمق مستوياتها الفلسفية والاجتماعية عبر عدة نقاط:

*  تسليع وتسييس المشاعر حتى الموت:

في الفلسفة النيوليبرالية لا وجود لشيء اسمه المجانية أو العفوية. كل فعل لا بد أن يعود بالربح أو الخسارة أو الأنانية.

 فعبارة حسام الأخيرة "أحبك يا إيناس" هي أسمى تجلٍّ للمشاعر الإنسانية الحرة لحظة تنجلي فيها كل الخلافات التافهة أمام حقيقة الموت والعدوان الذي يمثله بطش الجنجويد. لكن مليكة تخصعها وتخضع الموت نفسه لآليات التلاعب النيوليبرالي إنها ترفض تصديق أن هناك دافعاً إنسانياً نبيلاً خالصاً وتحول كلمة "أحبك" الصادرة من رجل يحتضر إلى استراتيجية نرجسية خبيثة للاستثمار الآجل.

* التشكيك المطلق وهدم اليقين الأخير:

سبق وأن أشار حجازي في بداية القصة إلى أن هذه الاستشارات تجعل الناس "يشككون في كل شيء ويؤمنون باللاشيء. وهنا، تُطبق مليكة هذه القاعدة حرفياً فالموت الذي هو الحقيقة المطلقة التي تهتز لها النفوس وتذوب عندها الأحقاد عجز عن زحزحة قناعاتها الملوثة بكتالوجات المنصات. فالنيوليبرالية تريد هدم أي يقين يمنح الإنسان السكينة فإذا شكت إيناس في صدق زوجها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فلن يبقى لها في هذا الكون أي أمان أو قيمة تؤمن بها لتتحول تماماً إلى تلك الذات العدمية الوحيدة المستسلمة لآليات السوق.

* تقديس "الاستمتاع الفردي الفوري" (The Commodit of Hedonism)

يتجلى الفكر النيوليبرالي بوضوح في عبارة مليكة: "حتى لا تستمتعي بحياتك".  فالمنظومة الحديثة تروج لفكرة أن الهدف الأسمى للوجود هو "الاستمتاع الفردي الخالي من الالتزامات والأحزان أو عقد الذنب" (Hedonism). ووفقاً لهذا المنطق، فإن الوفاء لذكرى الزوج الراحل أو لحزن عليه أو تذكر حبه هي مجرد معوقات تعطل إيناس عن العودة السريعة لسوق الاستهلاك والاستمتاع الفردي. فمليكة ترى الحزن والوفاء خسارة استثمارية يجب التخلص منها فوراً عبر شيطنة حسام حتى وهو جثة هامدة.

* المفارقة التاريخية والواقعية (النيوليبرالية مقابل التوحش):

يصنع الكاتب محمد بدوي حجازي مفارقة سردية مذهلة وقاسية فعلى الأرض هناك توحش مادي حقيقي (الجنجويد) ينهي حياة الإنسان بطلقة أو سكين ويتم التبرير له عبر سياسيين محليين (وغرد أحد السياسيين على منصة اكس بقوله .... ،) وفي الوعي هناك توحش نيوليبرالي افتراضي (مليكة ونصائحها) يجهز على ما تبقى من روح وثقة داخل إيناس. 

يمكن القول إن التواطؤ بين الجناحين (الجنجويدي/السياسي والنيوليبرالي/مليكة) ليس مجرد تقاطع عابر، بل هو "تواطؤ بنيوي ووظيفي" كامل يعتمد على استراتيجية "التفكيك والسيولة" لإعادة صياغة واقع السودان.

إن الصوت الثالث المبهم (السياسي على منصة إكس أو فيسبوك) يمثل حلقة الوصل والراعي الأيديولوجي الذي يربط بين توحش السلاح وتوحش الفكرة. ويمكن تحليل هذا التواطؤ والترابط العضوي بينهما من خلال الأبعاد التالية:

1. وحدة الهدف: "التفكيك والسيولة" (Liquidity & Deconstruction)

• على المستوى المادي (الجنجويد والسياسيين): يسعى الغزو العسكري المدعوم إقليمياً ودولياً إلى تفكيك مؤسسات الدولة الصلبة، وعلى رأسها الجيش السوداني، وتحويل الدولة إلى كيان "سائل" بلا سيادة، يسهل تقاسمه وإدارته عبر وكلاء محليين (الطبقة السياسية).

• على المستوى القيمي والمعرفي (مليكة والنيوليبرالية): تسعى مليكة وثلة النيوليبرال إلى تفكيك المؤسسة الصلبة المقابلة في المجتمع وهي "الأسرة"، وإحلال "سيولة الوعي" محل الوعي الوطني أو الأخلاقي الثابت. هنا يلتقي الطرفان: فكما يحتاج الجنجويد إلى غياب "الدولة الصلبة" ليمارسوا نهبهم، تحتاج النيوليبرالية إلى غياب "الإنسان الصلب" ذي الانتماءات المحددة (دين، وطن، أسرة) ليمارسوا تسليعه وتدجينه.

2. الدور الوظيفي للصوت الثالث (الطبقة السياسية ومليكة)

الراوي يشير بذكاء إلى حركة دائرية خطيرة: (يغرد السياسي تعيد مليكة التغريدة). هذا التفاعل الرقمي البسيط يلخص تحالفاً غير مكتوب:

• التغطية الأخلاقية والسياسية: الطبقة السياسية توفر الغطاء السياسي لجرائم الجنجويد تحت لافتات براقة مثل "التحول الديمقراطي" أو "محاربة دولة 56" أو محاربة الكيزان.

• التسويق الثقافي والشرعنة: تأتي مليكة (التي تمثل النيوليبرالية) لـ "إعادة التغريد"، وهي هنا ليست مجرد حركة تقنية، بل هي عملية إعادة إنتاج الخطاب السياسي وتغليفه بقيم العولمة والنيوليبرالية. إنها تحول الجريمة المادية للجنجويد إلى "فعل تحرري" أو "تحصيل حاصل" ضمن سياق التشكيك في كل الثوابت الوطنية.

3. الإيمان باللاشيء كممر آمن للتوحش

عندما تنجح مليكة وثلتها في نشر "الإيمان باللاشيء" والتشكيك في كل شيء (الجيش، الوطن، التاريخ، القيم الأسرية)، فإنها تخلق فراغاً وجودياً ونفسياً لدى الفرد والمجتمع.

هذا الفراغ هو المناخ المثالي لـ:

• تطبيع الجريمة: يصبح تفكيك الدولة واحتلال البيوت وانتهاك الأعراض مجرد "وجهات نظر" أو "إفرازات حرب طبيعية" في نظر الوعي السائل، بدلاً من كونها جرائم وجودية تستدعي المقاومة الصارمة.

• كسر إرادة المقاومة: التشكيك النيوليبرالي يضرب "مركزية الفكرة الوطنية"، وحين يفقد الإنسان إيمانه بالوطن أو المؤسسة الشارعة له، يصبح عاجزاً عن الدفاع عنهما، مما يسهل مهمة الجنجويد في السيطرة المادية.

فالقصة تكشف بدقة عن مقص ذي شفرتين يُراد به قطع شرايين المجتمع السوداني:

• الشفرة الخشنة (الجنجويد): لتدمير البنية التحتية، والمؤسسة العسكرية، وتهجير السكان.

• الشفرة الناعمة (مليكة والمنظومة النيوليبرالية): لتدمير البنية الفوقية (الوعي، الأسرة، الأخلاق) حتى لا تقوم للمجتمع قائمة بعد الحرب.

والصوت الثالث (السياسي) هو المقبض الذي يمسك بالشفرتين ويوجههما لخدمة المشروع الإقليمي والدولي؛ فالتواطؤ هنا تواطؤ وجودي: الجنجويد يمحون الدولة من الأرض، ومليكة تمحوها من العقول

وبينما يموت حسام مقتولاً بـ رصاص التوحش تقتل مليكة معناه وإرثه العاطفي بسموم الوعي النيوليبرالي السائل مما يجعل الجريمة الثانية لا تقل بشاعة عن الأولى فالأولى أعدمت الجسد والثانية اغتالت المعنى والروح.

ومن خلال هذه النهاية، يصرخ حجازي محذراً: إن خطورة النيوليبرالية وثقافتها النفسية المغشوشة لا تكمن فقط في تخريب العلاقات أثناء الحياة بل في قدرتها على تسميم الموت والشهادة واللحظات الإنسانية الأخيرة وتحويل أقدس العواطف إلى مجرد أدوات تلاعب متبادل ليخرج الإنسان من مجتمعه وأسرته عارياً من أي قيمة وحيداً تماماً وعاجزاً حتى عن الحزن الصادق. هذه النهاية الصادمة تغلق الدائرة الفكرية للقصة بشكل كامل.

........    

د. لبنى عمران 

اكتوبر 2026