- الصالون خالِِ ومغرِِ يا إيناس، غالباً سيأتي بعضهم يطلبه، ربما أخوات زوجك، أو بنات خالي عز الدين. فكِّري في بعض الأعذار من الآن. لا تسمحي لأحدِِ بالسكنى فيه.
هذه الرسالة جاءت عبر تطبيق واتس آب من وراء البحار، من د. مليكة الزبير، أخصائي التنمية النسوية ورئيسة منظمة ثلاثة نون ونصف لحقوق المرأة، كما عرَّفت نفسها في صفحتها الشخصية على فيس بوك.
كانت الخرطوم حينها تحتضر، الحرائق تلوِّن سماءها والدم والقهر يغطي أرضها. كان الجنجويد القادمون من الصحارى الغربية، شعثاً غبراً، يحتلون المدينة، ينهبون البنوك والبيوت، يدمرون الجامعات والمتاحف والمستشفيات، يحرقون المكتبات والحدائق والأسواق، يشعلون النار في كل شيء. كانوا مزهوين بأنفسهم، مغترين بأعدادهم التي لا تُحصى، يقول البعض أنها تفوق جيش الدولة النظامي أضعافاً مضاعفة، إلى جانب قوة آلتهم الحربية وتفوقها وكمال عتادهم، فظلوا يرددون أمام سكان المدينة المقهورة بكل ثقة:
- نحن الجنجويد. نقتل وننهب ونسلب ونغتصب، نأخذ حقنا عنوةً واقتدارا، نصيبنا في الثروة والسلطة الذي حرمنا منه زمناً طويلاً.
أحد الزعماء السياسيين شكَّك في ما قاله الجنجويد وغرد على منصة أكس قائلاً:
- "أيها المواطنون الطيبون، هؤلاء الأشخاص الذين ترونهم يفعلون الشر، يزعمون أنهم الجنجويد، فلا تصدقوهم، هذا الأمر خطير جداً ويحتاج إلى التريث، كيف نوقن أنهم الجنجويد؟! ربما كانوا شيئاً آخر".
يومها أمَّنت د. مليكة على قوله واعادت نشر تغريدته بينما سخر بعض الناشطين الشباب من هذا التدليس واغلظوا لصاحبه القول.
قادة الجيش الوطني محاصرون داخل ثكناتهم وقد أحاطت بهم أرتال من المدرعات والدبابات والمدافع والقناصة من كل حدبِِ وصوب، قائد الجنجويد يطلب منهم الإستسلام حالاً وإلا فالموت، بينما استباح جنوده المدينة يقتلون وينهبون ويغتصبون مَن يستحسنون من النساء ويطردون السكان من منازلهم ليستعمروها. بعض الجهات عابت على الجنجويد إحتلال بيوت المواطنين وطالبتهم بالخروج الفوري منها. علَّق أحد الزعماء السياسيين في صفحته بفيس بوك على الطلب بقوله:
- "كيف نطالب الجنجويد بالخروج من بيوت المواطنين بعد أن غنموها، كيف يخرجون منها هكذا ببساطة؟! لابد أن يكون ذلك وفقاً لتسوية سياسية شاملة".
بدا هذا الرأي وجيهاً وحكيماً في عيني د. مليكة فزينت المنشور بعلامة احببته وشاركته على صفحتها.
كان ليل الخرطوم حينها وحشياً همجياً ومرعباً، ونهارها قاتماً، مظلماً يظله الموت، رائحة الدماء والعفونة تغطي كل شيء، الكثير من الجثث المتحللة تُرِكت ملقاة على الطرقات ووسط الأحياء المهجورة وقد انتفخت في مشهد مزرِِ يجسد هوان الإنسان وبؤسه. أحياء المدينة العتيقة غرب النهر كانت أحسن حالاً وتتمتع ببعض الأمان حيث تقطن أسرة الزبير محمود والد إيناس ومليكة مما جعلها قبلة الناجين من الأحياء الأخرى فأخذوا يتسللون إليها زرافاتِِ ووحدانا. هذا ما جعل د. مليكة تخشى أن يلجأ بعض أقاربهم إلى منزل والدها طلباً للنجاة فأرسلت تلك الرسالة من مهجرها بأمريكا عبر تطبيق واتس آب إلى شقيقتها محذرة إياها من استقبال أي من أولئك الناجين دون أن تبديء سبباً لهذا التحذير.
إيناس لم تشغل نفسها بالتفكير في فحوى رسالة شقيقتها، لم تتساءل عن سر هذا اللؤم الفاحش ولم تستنكره، بل ردت على الرسالة ببساطة قائلة:
- مستحيل. لن يجرؤ أحد على طرق بابنا.
دفعت إيناس الرسالة إلى وجهتها ثم ارسلت رمز الإصبعين المفرودين علامة النصر، ليأتيها رد شقيقتها من وراء البحار مؤكداً في صرامة:
- لا مستحيل أبداً، فحين يلعلع الرصاص وتبدأ مدافع الجنجويد الحصاد، سيهرع الجميع مرعوبين طلباً للنجاة ستكون وجهة بعضهم بيتنا. جهزي اعتذارك الآن ولا تمنحي أياً منهم بصيص أمل.
ويبدو أن كبار السياسيين كان رأيهم من رأي د. مليكة فلقد غرد أحدهم لاحقاً على منصة اكس بقوله:
- لابد من إنشاء معسكرات نزوح لهؤلاء الناجين خارج المدينة، معسكرات آمنة تحت إشراف منظمات دولية.
واردفت مليكة محذرة شقيقتها برسالة على واتس آب:
- لا تستحي في الحق ولا تتركي حسام يضللك بعاطفيته وضعف شخصيته، نحن لسنا مسؤولين عن مصير أهله، يكفي أننا قبلناه فرداً في عائلتنا وزوجناك له وصبرنا عليه وهو عقيم.
بان التوتر على ملامح إيناس بعد تلك الرسالة. ثم علقت عليها بالرمز أحزنني.
فكرتْ، طوال سنين زواجهما كان حسام نموذجاً للزوج المحب الوفي العطوف، إنه يحبها ويحترمها ويعلي من شأنها وشأن أهلها، ولولا علته تلك لكان زواجهما مثالياً، فبعد أن تأخر حملها طويلاً أثبتت الفحوصات أن حسام عقيم ولم تفكر حينها في الإنفصال عنه، عظيم حبه وجميل اهتمامه عوضاها عن حرمان الأمومة، كانت أميرته المطاعة وطفلته المدللة، ورغم ذلك كان يلازمها الضيق أحياناً لغير سبب فتثور في وجهه وتجرحه ببعض العبارات المهينة التي لا تلقي لها بال، ولكن حسام ظل يسامحها المرة تلو المرة ويغرقها في حبه واهتمامه أكثر وأكثر. وكان هذا يسعدها كثيراً وتقول في نفسها لو لم يكن عقيماً لكان أفضل الأزواج. ما لم تكن إيناس تعلمه هو أن حسام قد تلاعب بنتيجة الفحص الطبي قبل عرضه عليها، فالحقيقة أن حسام يتمتع بصحة موفورة وأن إيناس هي العاجزة عن الإنجاب.
فكرت إيناس قليلاً لتختار كلماتها بعناية ثم جرت أصابعها على لوحة المفاتيح لتكتب:
- حسام طيب القلب ونحن مدينون له بالكثير، ليس من الذوق أن اطرد أهله في مثل هذه الظروف.
دفعت إيناس العبارة أعلاه عبر التطبيق مخاطبة مليكة التي ردت بكلمة واحدة:
- العوارة ..!
اخترقت الكلمة قلب إيناس كرصاصة مدوية، دارت عيناها في محجرهما لثوانِِ ثم انكمشت في مقعدها وقد فاجأها البرد المميت. لسبب لا يعلمه أحد كان لهذه الكلمة أثراً سحرياً على عقل إيناس منذ طفولتها الباكرة، تحيلها عجينةً طائعةً بين يدي مليكة، فتراها تصفق احتفاءً بكل ما تصدره شقيقتها من جهالة وتنفذ كل ما تشير به من خطل. واردفت مليكة مواصلة هجومها العنيف:
- كما أخبرتك من قبل، حسام ليس طيباً، حسام نرجسي يتظاهر بالطيبة ليسيطر عليك ويتحكم فيك. حسام يتصرف كرجل شهم حتى يشعرك أنك مدينة له. فكري قليلاً، ما هو الدافع لكل هذه الطيبة والشهامة؟! كيف يكون في جنس الرجال رجل طيب هكذا لوجه الله؟!
ومرت فترة من الصمت ارسلت فيها إيناس رمزاً يدل على الموافقة دون أن تطلب من المتحدثة دليلاً على صحة هذا العته لتواصل مليكة إطلاق رصاصاتها وتقول:
- حتى حينما تخطئين في حقه، يأتيك مسامحاً ومعتذراً بعد دقائق معدودة، هل تدري لماذا يفعل ذلك؟! إنه يحرجك أمام نفسك ويشعرك بالضآلة أمامه، يريد أن يقول أنه أفضل منك.
وضعت ايناس قلباً أحمر على الرسالة دون تفكير مما دفع مليكة لإرسال قبلةً صغيرة لشقيقتها والتي أخذت تجترَّ بعضاً من حواراتهما السابقة. بات من المؤكد عندها أن حسام نرجسي سام، فالنرجسي نوعان الأول ينكر أنه نرجسي والثاني يعترف، وحسام إما أن ينكر أو يعترف، ليس أمامه خيار ثالث. وأخذت المرأة تعدد صفات النرجسي كما أوضحت شقيقتها، ولدهشتها وجدتها تنطبق كلها على حسام وكأنها فصلت من أجله، لم تلاحظ ايناس في غمرة مشاعرها المضطربة أن تلك الصفات لا تنطبق على حسام وحده بل بدا وكأن هنالك من فصلها بعناية لتشمل كل جنس الرجال على ظهر الكوكب، لم تلاحظ أيَّن من المرأتين ذلك، ولم تكونا لتعلما أن خلف ذلك الجهل المتغطرس الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى علم النفس، عقليات ماكرة، تستثمر في الأحزان والآلام وفي سذاجة البعض، في الأماني الخائبة والأحلام المجهضة وفي الأخطاء الجينية وضعف العقول. وتتخفى وراء عبارات ضخمة ورنانة، غامضة ومتعالية تقود إلى الشك في كل شيء واليقين في اللاشيء.
- وأمنا ؟ هل نسيت ما فعله حسام للمرحومة أمنا طوال فترة مرضها ؟!
اجرت ايناس يدها بالعبارة وكأنها تستنفر شقيقتها لتفسر تلك الواقعة على نحو مُرضِِ يبعد حسام عن أي دورِِ بطولي.
ولم تخذلها مليكة إذ علقت بوجه ضاحك على سبيل السخرية ثم أخذت تطلق سيلاً من الكلمات على الشاشة بسرعة مذهلة حتى يكاد يسمع لها دوي. قالت:
- إنها أكبر خدعة انتجها ذلك العقل الماكر، ولولا ثقافتي واطلاعي الواسع في علم النفس لانخدعت بها مثلك.
قرأت ايناس العبارة لتأخذ نفساً عميقاً وقد بان الإرتياح والرضا على ملامح وجهها. واحست أنها تتحرر من عبء ثقيل كان يضغط على قلبها. فأخذت تتابع ما تقول شقيقتها باهتمام عظيم. ومع كل كلمة تخطها مليكة كانت عينا إيناس تشرقان بالفهم العميق وتحس برد الراحة يتغلغل بلطف داخل روحها. حسام بدا لعينيها تلك الأيام شهماً عظيماً ومتواضعاً، كان رجلاً حين يحتاج الموقف لقوة الرجل وشدته وحزمه وامرأة يطعم ويغسل وينظف حيناً آخر، كان يعتني بأمها في مرضها وكأنها أمه، فأبهر إيناس وجعلها تشعر بالكثير من الامتنان نحوه. مليكة تشرح ذلك فتقول أن ما فعله حسام ليس دليلاً على النبل والشهامة إنما هو مؤشر لإضطرابِِ نفسيِِ حَدِّي فاشستموني. تقول مليكة في تفسير ذلك:
- حسام مثله مثل أي نرجسي، مهووسٌ بالتميز والفرادة، يتمثل خلال يومه كل القيم التي اتفق المجتمع على إعلاء شأنها كالمروءة والشهامة والكرم ونكران الذات، ولكن ليس لهدفِِ نبيل، إنه يستخدمها للإخضاع والسيطرة ، وقد نجح في السيطرة عليك يا إيناس، وبدا أمامك في كل المواقف كبطلِِ أسطوري فريد، وجدك صغيرة وبريئة فأنفرد بك وخدعك ونال منك تقديراً لا يستحقه. ليس هو وحده، بل كلهم كذلك، كل الرجال مخلوقاتٌ تافهةٌ ماكرةٌ وخبيثة.
خلاصة ما استقر في روع إيناس بعد تلك الدردشة مع شقيقتها هو أن حياتها مع حسام لم تكن سوى خدعة خبيثة استمرت عشر سنوات. وأن الزواج علاقة معلولة تحمل عوامل فنائها في داخلها وأن الأسرة مؤسسة فاشلة يجب تفكيكها. لذا فهي غير مسؤولة عن حماية أي كائن في هذه الحرب حتى شقيقات حسام، إيوائهن وتأمينهن هي مسؤولية الجيش.
الجيش سخَّر كل موارده الشحيحة للدفاع عن نفسه أولا ً. يقول الجيش إن سقوط معسكراته في يد الجنجويد يعني تفكيكه وانهيار الدولة. ترك الجيش سكان العاصمة لأكثر من عام يواجهون مصيرهم بأنفسهم ومضى بعيداً يلتقط أنفاسه ويداوي جراحه. فأنفرد الوحش الهمجي بالمواطنين وأذاقهم مرَّ العذاب، سلباً ونهباً وقتلاً واغتصابا. لاحقاً اعتذر أحد جنود الصاعقة وهو يقبٌّل رأس سيدة عجوز في حي الصحافة بعد تحريره بقوله:
- آسفون يا أمي، لقد تأخرنا عليكم كثيراً، لكن لم يكن الأمر بيدنا. كان علينا أن نحافظ على عظم الجيش حتى لا ينهار ويتفكك.
واطلقت المرأة زغرودة جزلى وهي تحتضنه فأجهش المظلي بالبكاء. ثم قبل رأسها وواصل حديثه بصوت مختنق:
- يعلم الله إنا كنا نحترق ونحن نراكم تُهانون وتُقتلون وتُذبحون وتُنهب مساكنكم ولكن لم يكن هناك شيء لنفعله حينها.
بعض شباب المدينة العتيقة غرب النهر تصدوا للدفاع عن مدينتهم حين هاجمها الجنجويد، لم يكونوا يملكون من السلاح إلا القليل، مجموعة صغيرة من البنادق البدائية وقفت شامخة في وجه دبابات ومصفحات ومدافع بعيدة المدى وشراسة همجية غشوم، حسام لم يكن يحسن الإمساك بالبندقية ولم يكن يدري كيف يطلق الرصاص، شرح له أحدهم ذلك على عجالة. الجنجويد هاجموا السكان بكتيبة من المشاة تدعمها الدوشكات والمدافع المضادة للطائرات ومدافع آربجي المضادة للدروع، كانت كلها تصب حممها على المدينة العتيقة فأحدثت ضرراً كبيراً في المباني والمنشآت وسقط الكثير من السكان قتلى ولكن لم تستطع السيارات والمصفحات العبور الى داخل الأحياء لتحتل المساكن بسبب الخنادق والمتاريس التي أقامها حسام وزملاؤه ذلك المساء فرجع الجنجويد خائبين. حسام أصيب بطلقة قرنوف في الجانب الأيسر من صدره، وجدوه في نهاية المعركة مغمى عليه وقد توسط بركة من الدماء. كانت الإصابة بليغة ولم يكن لينجو، وحينما اوصلوه إلى المستشفى الميداني وسط الحي كان قد فقد الكثير من دمائه، أجريت له الإسعافات الشحيحة دون جدوى ثم عاد إليه وعيه بصورة مفاجئة، أخذ يحدق في الوجوه من حوله لتستقر نظراته على وجه إيناس المتعب فتشرق عيناه ويهمس:
- احبك يا إيناس.
قالها ثم أسلم الروح.
مليكة المعتوهة أوضحت لاحقاً لشقيقتها سر ذلك البوح برسالة واتس آب جاء فيها:
- هو لا يحبك. لكنه قال ذلك كآخر كلماته حتى يجعلك تحزنين لموته ولا تعيشين من بعده حياة سعيدة. يريدك أن تظلي أسيرة ذكراه حتى وهو ميت.
وغرَّد أحد الزعماء السياسيين على منصة أكس قائلاً: "حسام وزملاؤه كانوا يحملون السلاح وبذلك تنتفي عنهم صفة المدنيين، إنهم إسلاميون مهووسون، وقد أراح الجنجويد العالم من شرهم".
............
جدة - التشاليح - أبريل 2026م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق