التسميات

الأربعاء، 28 مايو 2014

الخـرافـــة

ذلك القيـد ُ الحالـم ُ ...
إنها تسيطـر ُ على عقـولنا ،
ترسـم خطواتنـا ،
ملامحنـا ،
ونظراتنـا ..!
قصـة ٌ مـا،
أو حكايـة ٌ ،
أو أحجيـة ،
ابتدعـها شخـص ٌ مـا
في لحظة ٍ تجـل ٍ أو يأس ٍ أو نشوة ٍ أو هذيان ْ ،
وقـد لا يكـون يعنيـها حقـا ً ..!
شخـص ٌ مـا ،
ربما لصـا ً فاتكـا ً
أو أفـَّـاقا ً أو أحـد الحمقـى أو الأوغـاد ْ ،
ربما أحـد ُ الطيبيـن حتـى ،
الباحثيـن عـن الحـق ْ
الضاليـن َ عـن الحقيـقـة ْ ..!
بـذرة ٌ صغيـرة ٌ،
ألقاها أحـدهم بقصـد ٍ حسـن ٍ أو شـريـر ْ ،
فتعهدها القطيـع مـن بعـده بالسـُّـقيـا
فامتـدت ْ جـذورها حتى صياصـي الأرض ْ،
وتشابكت ْ أغصانها حتى السمـاء ْ ،
فأزهرت ْ حقيقـة ً لا يجـرؤ أحـد ٌ على التشكيـك ِ فيـها ،
وإلا مـات أو قــُـتـل ْ ..!
قـوة ُ الخـرافة ِ تكمـن في عـدد ِ المصفقيـن لهـا ،
السائـرين َ فـي ركـابها
هـؤلاء المتحمسـون جـدا ً لنشـرها،
لا يهـم ُّ مـن هـم أو مـاذا يكونـون ْ
لا يهـم ُّ مـا يحملـون َ مـن شهـادات ٍ،
أو ما طالعـوه مـن كتـب ْ ..!
لا يهـم ُّ إن كانت عقولهـم كحبة ِ خـردل ٍ أو صخـرة ٍ،
أو باتساع ِ الفضاء ِ العريض ْ ..!
ربما استطاع َ كـم ٌ مهمـل ٌ من المثابرين – 
وكلهـم مثابرون فـي هـذا المنحـى
أن يجعـل َ الوهـم حقيـقة ً ،
ويحيـل َ الشـاذ َ إلى قاعـدة ْ ..!
الأوغاد ُ المستنيرون َ كما المتدينـون َ الحمـقى هم سدنة ِ الخـرافـة ْ ..!
وحين يقـود ُ أحـد ُ هؤلاء الأماجـد ِ موكـب َ الخرافـة ِ
يصبح ُ الوضـع ُ بالـغ َ السـوء ْ ،
فمعارضـة ُ هـؤلاء إمـا ضـلالا ً أو خيانة ً وطنيـة ً،
وكلاهما يقــود إلى حبـل ِ المشنقـة ْ
فمـن يجـرؤ على التشكيـك ِ في خطـة ِ سيـر ِ القطيـع ْ
لـن يجـرؤ أحـد ٌ سـوى مبتدعي الخـرافة أنفسهـم
وحدهـم القادرون َ
على ابتداع ِ خرافة ٍ جديدة ٍ ،
أو ترقيـع ِ الخـرافـة ِ القديمـة ِ لتصبح َ أكثـر َ تشويقا ً وإثـارة ْ
وأكثـر تضليـلا ً
لا أدري من أيـن تستمـد الخرافة ُ قدرتها على التواؤم المستمـر ْ
تجديد َ نفسها والمسيـل في نبـع ِ الحيـاة ْ
ربما هنالك جرثـومة ٌ صغيـرة ٌ فـي عقـول ِ البشـر ْ
عاهـة ٌ وجـودية ٌ تستدرجهـم نحـو هـذا الطـريـق ْ ..!
كذلك لا يستطيع أحـد ٌ أن يجـزم َ بمقدار ِ الضرر ِ الناتج ِ عن الخـرافة ْ
أو الخيـر ِ المنبثـق مـن ثنايـاها..!
ولكننـا جميعا ً نعلم أنها أحـد ُ الأعمدة التي ترتكـز عليها حياتـنا
وامتزجت ْ بها كالدخـان ْ ..!
حياتـنا ...
تلك البائسـة ُ أو العظيـمة ْ ...
المزرية ُ أو الجميـلة ْ ...
لا أدري ..!
ولن تجـد رجـلا ً راشـدا ً يستطيـع أن يفتيـك ْ ..!
عقول ُ البشر ِ تــُستـدرج ُ نحو تصديق مـا لا يكـون ْ
إنها تتعـامى عن الحقيقـة أو تتجاهلها عمـدا ً، جهــلا ً، مكابـرة ً،
أو ربما يريدون َ أن يغيظـوا الوجـود ،
حقيقـة لا أدري ،
ربما يشوقهم الحـل ُ السهـل ُ لمشاكـل مستعصـية ْ
أذكـر أن أحـد َ الأوغـاد ِ المستنيـرين ْ
وقف َ على جسـر ٍ فـي (بغـداد) يعـظ ُ النـاس َ قبـل ألف عام ٍ أو يزيـد ْ
كان اجتمـاعا ً محضـورا ً
جاءه الناس ُ من كل ِّ الفجـاج ِ زرافات ٍ ووحـدانـا ،
نسـاء ٌ جميـلات ٌ وعجـائز ُ شمـط ْ ..!
رجـال ٌ راشــدون َ
صبية ٌ وأطفـال ٌ طيبـون ليستمعـوا قولـه ..!
كان الشاعـر ُ الحكيم ُ يريد أن يسخـر َ مـن القطيـع ِ علـى طريقـتـه ، ِ
كان يهـزأ ُ ويسخـر ُ وقلبـه ُ يدمـي ...
كان يبتـدع ُ خرافـة ْ ..!
قـال َ – لحاه ُ الله –
بلغنا عن غيـر ِ واحـد ٍ مـن صالـح ِ السلـف ِ،
أن َّ مـَـن وصـل َ لسانـه ُ أرنبـة َ أنفـه ُ،
دخـل َ الجنـة َ بغيـر ِ حسـاب ٍ ،
ولا سابـق ِ عـذاب ْ ..!
فأخـرج َ الجميـع ُ ألسنتهـم جاهديـن َ ليصلوها بأرنبـة ِ أنوفهـم ..!
بعضهم طرب َ وصفـق َ وبات ليلتـه مطمئـنا ً
وبعضهم اغتـم َّ وانخرط في التمريـن ِ جاهـدا ً لبلوغ ِ المقـام العـلي ..!
ومات شاعـرنا غما ً وهما ً في (بغـداد) قبـل ألـف عام ٍ أو يزيـد ْ ..!
ولكـن ليـس هـذا هـو المهـم ْ
فلقـد رأيـت ُ ابني وزمـلاءه في الصـف قبـل يوميـن ِ
يتمرنون بكـل ِ حمـاس ٍ ليصلوا ألسنتـهم بأرنبة ِ أنوفـهم ..!
نعـم ، ابني وزملاؤه بعـد ألـف عـام ٍ أو يزيـد.
                              الخرطوم - أبريل 2014م

الأربعاء، 16 أبريل 2014

فـارس والشيـماء

   بقيادة الحامية العسكرية الوسطى تعالت في تلك الأمسية القهقهات الصاخبة والصيحات القوية من ثكنة (مصعب بن عمير) والتي يشغلها ضباط صف وجنود سلاح المدفعية فلقد كان الجميع يحتفلون بترقية زميلهم وكيل عريف مدفعجي (فارس الكلنكيت) إلى رتبة العريف. كانت من اللحظات النادرة التي يجتمع فيها أفراد الكتيبة  من مختلف الرتب بعيدا ً عن أجواء العمل الرسمية الباردة ليحتفلوا معا ً. أخذوا يتبادلون الطرف والمـُلح وبعض ذكريات الحرب وقد علت أصواتهم في حبور. وكان الصول مدفعجي (عبد الله المانجل) والذي يقترب من سن المعاش بخطوات حثيثة يرتشف مشروبه الغازي بتأفف وهو يدير عينيه الثاقبتين في ما حوله محنقا ً. ثم بدا له أن يردد لازمته المشهورة في مثل هذا الموقف فقال: 
-  آخر زمن. الجيش أصبح زي الحريم ما يشرب إلا البيبسي ..! 
قالها ليعم الصمت أرجاء العنبر الواسع ثم أضاف قائلا ً وهو يحرك عصاه الصغيرة في الهواء يمينا ً ويسارا ً وكأنه يهش بها شيئا ً غير منظور: 
-  شركة يهودية معروفة. لكن ما في زول يقدر يتكلم. آخر زمن ..! 
   وكان الجميع يعلمون أن موقف حضرة الصول من مشروب البيبسي لا علاقة له بما يشاع عن مصدره وإنما يرتكز على حنين الرجل لمشروبات أخرى حل البيبسي محلها في الحفلات الخاصة والعامة في السنوات الأخيرة بعد أن أصبح تناولها جريمة يعاقب عليها القانون، ولكن أي من ضباط الصف والجنود لم يعقـِّب على ذاك القول احتراما ً لرتبة قائله كما تقضي القوانين العسكرية. الرقيب (جعفر الحسين) رغم أنه أدنى رتبة من (المانجل) إلا أن لحيته الكثة التي تدل على قربه من القيادة العليا للجيش وصانعي القرار تمنحه الجرأة دائما ً على مقاطعته ومعارضة أفكاره الهدامة كما يسميها ولكنه لم يفعلها هذه المرة ربما احتراما ً للاحتفال وصاحبه فلقد كان (فارس الكلنكيت) من المشهود لهم بالشجاعة والإقدام وأنقذت جسارته وسرعة بديهته زملاءه من الموت والأسر في الحرب عدة مرات. ظلوا يتسامرون في حبور لبعض الوقت ثم انفرط عقدهم ليتحلق البعض حول طاولة الدومينو والبعض الآخر حول الكوتشينة واكتفت البقية بالتفرج على المتبارين بينما انسحب الرقيب (جعفر الحسين) من الحفل بعد أن ألقى على الجميع موعظة حول علاقة الكوتشينة بالشيطان والماسونية واليهود والنصارى والشيوعية.
   وما كادت عقارب الساعة تقترب من الثامنة حتى أسرع (فارس) مغادرا ً مقر الكتيبة متوجها ً إلى قشلاق البوليس والذي يقع قريبا ً من قيادة الحامية لا يفصل بينهما سوى الجدول الصغير الذي يروي مزرعة الجيش. تخطى الشاب الجدول قفزا ً ثم سار نحو وجهته ومشاعره بركان ٌ هادر. كان ممتلئا ً بها حتى القلق وبه توق لا يبلى لرؤياها. وجدها تنتظره شرق القشلاق وقد اسندت ظهرها على جذع الشجرة الضخم المطلة على القشلاق والبدر أمام وجهها يضفي عليها غموضا ً ومهابة وقد غاصت عيناها في الفضاء البعيد وكأنها تناجي السماء. كانت (شيماء) غائبة عن كل ما حولها وهي ترنو إلى السماء بتلك النظرة التائهة. اقترب (فارس) من محبوبته ذات التسعة عشر ربيعا ً بخطوات حذرة ثم دنا من عنقها حتى غمرتها أنفاسه وكادت شفتاه تلامسان أذنها وهمس فجأة ً: 
-  مبروك ..! 
أطلقت الفتاة صرخة ً حادة ً افزعت الشاب نفسه. ثم تمالكت نفسها لتستدير وتواجهه لاهثة الأنفاس. أخذت تحدق فيه برعب. أضاعت الكثير من الوقت لتستوعب ما حدث ثم تخاطبه بقولها : 
-  (فارس). خلعتني. الله يجازيك ..! 
-  الترقية يا (شيماء) ... الترقية ... الحمد لله. اترقينا ..! 
استعماله لضمير الجمع جعل الرعشة الحلوة تنتظم جسدها، أحست الفتاة في تلك اللحظة أن قلبها سيطفر من بين ضلوعها فجأة ً ليعانق وجه الحبيب. خاطبته بصوت مهموس وهي تطرق إلى الأرض : 
-  الحمد لله. يعني خلاص ؟! 
-  أيوه خلاص. ح أجيء أخطبك الأسبوع الجاي. 
قالها وهو يحتضن كفها بين كفيه ثم تغوص عيناه عميقا ً في عينيها. كان قد وعدها منذ أكثر من عام بأنه سيتقدم لخطبتها حين يتم ترقيته إلى رتبة العريف. كان يقول لها ليس من الأدب أن يتقدم وكيل عريف لخطبة ابنة رقيب أول مثلها ومن الخير لها وله أن ينتظر قليلا ً حتى تتم ترقيته.
وما لبثا إلا هنيهة ً في مناجاتهما الصامتة حتى علا الصوت الأجش من خلفهما هاتفا ً:
-  انتباه. اثبت مكانك يا مدفعجي يا قليل الحيا ..! 
والتفت العاشقان نحو مصدر الصوت وقد أخذتهما البغتة. ليجدا العريف شرطة (عبد المجيد دلدوم) يرمقهما باستنكار. والذي واصل حديثه وهو يقترب منهما بخطوات بطيئة وموقعة تنذر بالشر: 
-  قشلاق الشرطة ليهو حرمته يا وكيل عريف مدفعجي. وبنات الشرطة ما يقدر زول يقرِّب منهن أبدا ً مهما كان. خليك من وكيل عريف جيش جاهل زيك. 
-  أملأ يمينك يا بوليس. علي الطلاق بعد عقد، أصغر مجند عندنا في الجيش أعظم من مديرك العام  يا كـُهـْـنـَة ْ يا دلقان. 
انفجر (فارس الكلنكيت) بهذه العبارة بعد أن ذهب عنه وقع المفاجأة وهو يشمر عن ساعديه استعدادا ً للعراك. وما كان من الرقيب (دلدوم) إلا أن أمسك بصافرته ونفخ فيها وفي الحال برز سبعة من رجال الشرطة انهالوا على (الكلنكيت) لكما ً وركلا ً حتى أغمي عليه ثم اقتادوا الفتاة إلى منزل والدها بقشلاق الشرطة وهي تبكي وتنوح.
   حين وصل الخبر إلى كتيبة المدفعية زلزلت الأرض زلزالها أطلقت الضابط النوبتشي صفارات "الكبسة" ليسرع الجميع إلى أرض الميدان بكامل عدتهم وعتادهم ويصطفوا مشكلين قلعة مهيبة انتظارا للأوامر. وخطب فيهم الصول (عبد الله المانجل) وشرح ما حدث في عبارات مؤثرة ثم ختم حديثه قائلا ً: 
-  آخر زمن. البوليس يرفع عينه على الجيش. علي الطلاق، بوت أصغر عسكري عندنا بي رسينهم أولاد الـ .... لكن الليلة يشوفوا شعاع. 
والتهب حماس الجنود بعد هذه العبارة لتطول صيحاتهم عنان السماء.
الرقيب (جعفر الحسين) حذر زملاءه من العصي الكهربية التي تستعملها الشرطة في مثل هذه الأحوال ليقاطعه (المانجل) هاتفا ً: 
-  عصي شنو يا رقيب؟! الليلة يوم الرجال. الليلة يوم الرصاص الحي. تعليمات يا جيش. زخيرة حية. أضرب في المليان. 
قالها ليهتف الجميع بصوت ٍ مزلزل: 
-  تمام سعادتك. 
   وما هي إلا دقائق معدودة حتى حاصرت كتيبة المدفعية قسم الشرطة ثم انهالوا على المبنى بالرصاص في سخاء حاتمي. ويبدو أن رجال البوليس كانوا يتوقعون هذا الهجوم وأعدوا له عدته إذ أخذت قنابل الغاز المسيل للدموع تنهمر وسط صفوف المهاجمين من خلال النوافذ مع سيل من الشتائم المقذعة. رجال الجيش فوجئوا بالتأثير الحارق لهذا السلاح الذي لم يختبروه من قبل فانسحبوا بعد حين ليرتبوا صفوفهم استعدادا ً لجولة أخرى وهم يسعلون ويعطسون وأنوفهم وأعينهم تجري مدرارا فتغيم المرئيات أمام ناظريهم فلا يدرون صرفا ً ولا عدلا. وشوهد الصول (عبد الله المانجل) يعدو نحو قيادة الكتيبة وهو يردد سبابا ً بذيئا ً. ولم تنقض سوى لحظات حتى عاد وهو يقود المجنزرة 55 لتتعالى الصحيات الحماسية من جنوده وهم يلوحون له مهنئين وقفز الرقيب (جعفر الحسين) إلى الدبابة وهو يكبِّر الله ليختفي داخلها إلى جانب قائده ومن ثم تنهال القنابل الضخمة على مبنى الشرطة وتدكه دكا ً. وكأنما كان بقية الجنود ينتظرون مثل هذه الإشارة إذا هرول الجميع إلى قيادة الكتيبة مسرعين ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى أحيط مبنى الشرطة بمختلف الأسلحة الثقيلة من مجنزرات وكومندرات وراجمات ومدافع لم يرها الناس من قبل ولا يعرفون لها اسما ً. وأخذت القنابل تنهال على قسم الشرطة والمباني المجاورة. البوليس أسرع يخلي المبنى وينسحب أفراده مهرولين بعد أن فتحوا أبواب الحراسات وأطلقوا سراح السجناء. وما هي إلا دقائق حتى أصبح قسم الشرطة وما يحيط به من مبان ٍ أثرا ً بعد عين فلقد سوى به الجيش الأرض. ثم انصرفوا إلى قيادتهم وهم يهللون ويكبرون ويرددون الأناشيد الطلابية التي تذم البوليس وتسخر من أفراده.
   ولم يكن لهذه الأحداث أن تمضي دون نكير فبعد عدة أيام أوردت الصحف أن كل أفراد الكتيبة قد أحيلوا إلى محاكمات عسكرية أوقعت بحقهم عقوبات متفاوتة. ولكن الكثيرين ممن لهم علاقة شخصية بالجنود يقولون أن تلك المحاكمات كانت صورية لم ينفذ أي من أحكامها. آخرون يقولون أن سعادة القائد العام قد منح كل أفراد الكتيبة ترقيات استثنائية. ولكن الثابت للجميع أن العريف مدفعجي (فارس الكلنكيت) قد تم نقله إلى القيادة العامة للجيش في عاصمة البلاد برتبة ملازم ليتخطى ثلاث رتب دفعة واحدة ويصبح في سلك الضباط. كما أحيل الصول (عبد الله المانجل) إلى المعاش لبلوغه السن القانونية برتبة رائد متخطيا ً ثلاث رتب أيضا ً ومنح وسام الفروسية من الطبقة الأولى ووسام الخدمة الطويلة الممتازة في احتفال مهيب شرفه سعادة القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع وثلة من كبار الضباط.
الخرطوم - مارس 2014م

الثلاثاء، 11 مارس 2014

مرافعة الدكتور (جادين) الأخيرة 2

الفكي (أَبَّكَر) يحلف بالطلاق 
أوصاه أبوه بالبعد عن أبواب الملوك والسلاطين وعدم التدخل في شئون الممالك والدول لأي سببٍ كان، لا ناصحاً مشفقاً ولا ثائراً مصلحاً. قال: (يا بني من شَادَّ أولي الأمر غلبوه، وبالباطل دمغوه، وإن جاءهم بالحق مسنودا ومعه الملائكة شهودا، وهو كناطح صخرةٍ يُدمي قرنَهُ دون أن يُظهر أمرَهُ. فاحذر ولاة الأمور، سلاطين دار الغرور تعش في سلامٍ موفور. وإن وجدت سبيلاً لأعمالٍ صالحاتٍ فلتفعل لعامة الرعية وأوباش الناس ولكن بعيداً عن أعين المحتسب وآذان صاحب الشرطة).
قال الراوي: حدث ذلك قبل نحو مائتي عام مضين، وعشرين عقداً توارين وكان الفكي (أَبَّكَر) حينها شاباً جلداً يمتلئ قلبه شجاعةً وحزماً وعقله فهماً ودرايةً، وكان يتجول ذاك الصباح في سوق (أم درمان) الكبير وهو يتأبط رواية (مائة عام من العزلة) وقد اختمر في عقله مقالا حول "جدلية المركز والهامش". وكان أن مر موكب الخليفة شاك السلاح مشرع الرماح والناس فرحة مستبشرة تهتف بسقوط (بريطانيا) وأسرة الباشا (محمد علي) وقد رفعوا الرايات وصور الإمام (المهدي) وخلفائه الأربعة يلوحون بها مفاخرين يحدوهم الأمل في غد ٍ مشرق يعم فيه الرخاء ويسقط الغلاء.  قال الراوي: وكان (أّبَّكَر) حينها ممتلئاً بالسر، فلم يقدِّر خطورة الأمر، ففاض وأنشد والعبرات تخنق صوته: (يا أخوتي الذين يعبرون الميدانَ في انحناءْ ... منحدرين في نهاية المساءْ ... لا تحلموا بعالمٍ سعيدْ ... فخلف كلِّ قيصرٍ يموتُ، قيصرٌ جديدْ ... وخلف كلِّ ثائرٍ أحزانٌ بلا جدوى ودمعةٌ سدى..!).
وكان أن سمعه أحد جنود الدولة الجديدة فأسرع يرفع كتاباً مفصلاً إلى خليفتهم بالأمر وهو (عبد الله ولد تورشين) ويلقبونه بخليفة (الصِّدِّيق أبي بكر). تضمن الكتاب شرحاً وافياً لمعنى ذاك الشعر من كلام العرب وموقعه في سياسة السلطنة وأمور الرعية. فصدر الأمر بالقبض على (أَبَّكَر) حياً أو ميتاً وعممت صورته على كل المخافر ونقاط التفتيش، وأجريت الخيل لتبحث عن الشاب المنكود. قال الراوي: حدثني الأمين الصدوق قال: إن التعليمات السرية التي أصدرها الخليفة لفرق المطاردة تقضي بقتل (أَبَّكَر) بمجرد رؤيته.
فتنكر الفكي (أَبَّكَر) في ثياب امرأةٍ عجوزٍ وركب حمارته حمامية اللون وأسرع يصل الليل بالنهار، حتى وصل إلى (باريس) حيث أجرى عدة عمليات تجميلية غيرت في هيئته وشكله ثم قفل راجعا ً إلى (أم درمان)  واتخذ له كوخا ً قرب جبل (المرخيات) ونأى بنفسه عن الناس وشرورهم منقطعا للعبادة والذكر لمائتي عام حسوما. ولكن الحذر لا ينجي من القدر وها هو الفكي المنكود يمثل أمام القاضي في القاعة الكبرى بمبنى القضاء متهما ً بممارسة الدجل والشعوذة والنصب على البسطاء.
الفكي (أَبَّكَر) لم يردد أشعار (أمل دنقل) منذ أن أهدر الخليفة (عبد الله ولد تورشين) دمه. ظل مسالماً مهادناً يراقبهم وهم يفعلون كل شيء ولا يفعلون شيئاً. يراهم يتعاركون وهم يتحدثون باسمه فلم يخطِّئ منهم أحداً ولم يهلل لأحد. وحينما يضيق الحال ويصل القوم إلى الطريق المسدود وتهدر الدبابات متجهةً صوب القصر، لا يدعو لها بالهزيمة أو النصر، ولا يزيد الفكي (أَبَّكَر) على أن يحوقل، ويدعو الله أن يولي على عباده من يصلح، وهذا ما لم يكن يحدث أبداً. كانوا يفعلون كل شيء من وراء ظهره فما ذنبه إذا ً؟! فلتعثر بغال (البحر الأحمر) جميعها وتدق أعناقها ولتنطبق السماء على الأرض في (دارفور) فهذا ليس من شأنه، إن التحدث في مثل هذه الأمور يمس السياسة العليا للدولة ولا يرضي ولاة الأمر وسيعدونه تدخلاً سافراً في شئونهم وهو أكبر من قدراته المحدودة وباعه القصير ولكنه لن يقف متفرجاً على طوابير الحزانى والمحرومين من عامة الشعب، وليس هنالك محزون محروم وضعيف مثل النساء، لذا فلقد آل (الفكي أَبَّكر) على نفسه أن يهون عليهن ما استطاع إلى ذلك سبيلا كما أوصاه والده قبل مائتي عامٍ مضين. سيخفف عنهن بعض الذي يجدن بما علمه الله.  الله لم يعلِّم الفكي (أَبَّكَر) شيئا إذ أن بيع الوهم ليس مما يعلمه الله للبشر وهو لا يحتاج لمعرفةٍ ودرايةٍ إلهيةٍ فهو سهلٌ ميسورٌ في مدينة الأمنيات الخائبة والخطوات الشائهة والمشعوذين الكبار. الفكي (أَبَّكَر) يحتاج لمطعمٍ طازجٍ وملبسٍ ناعمٍ وفرشٍ لين كبقية خلق الله ولكنه لم يفكر في ذلك، علمته تجاربه أن مثل هذه المطالب تغضب أولي الأمر وعواقبها وخيمة، لذا اكتفى بالجنيهات القليلة التي تنفحه بها زائراته. يحلف الفكي (أَبَّكَر) بالطلاق أنه لم يقابل في حياته جاناً مسلماً، حكومةً أو معارضة. ولا جاناً ذمياً، معاهداً أو محارباً. ولو حدث أن قابل أحدهم لأطلق ساقيه للريح. فكيف تقول صحيفة (الفضيحة) أنه يتعاون مع الجان الكافر؟! صحيح أنه تحت ضرب السياط اعترف على نفسه بالتعاون مع الجان. ولكن لكي يكسب عطف الحكومة أصر على أن ذاك الجان مسلمٌ أباً عن جد وأسرته متدينةٌ، فتياتها منقباتٌ وجميعُ الذكور فيها ملتحون، فلماذا لم تورد صحيفة (الفضيحة)  أقواله تلك حتى يطَّلع عليها ولاة الأمر ويتعاطفون معه؟!. الفكي (أَبَّكَر) لم يكن يعرف أولئك الفتيات من قبل وهن اللائي سعين إليه في كوخه عند سفح الجبل يطلبن العون حين ضاقت بهن المدينة وما على الفكي (أَبَّكَر) إلا أن يردد بعض الأسماء الشائعة مثل (محمد) و(عبد الله) و(زينب) و(حسن) و(فاطمة) بعدها ستدله المريضة بنفسها على من سَحَرَها أو (عمل لها عملاً) من هؤلاء بحسب الحال. يتمتم الفكي (أَبَّكَر) بلغةٍ لا تبين ويضع العود واللبان على النار فيبهر زائراته. وفي بعض الحالات يزودهن بخلطةٍ من مختلف الأعشاب البريِّة التي تنبت بجانب كوخه على سفح الجبل. الفكي (أَبَّكَر) يقول أن هذه الوصفة تمنحهن الطمأنينة وتبث في قلوبهن الثقة وتهديهن الثبات وبعض التصالح مع مدينتهن القاسية تلك. وهي لا تكلف كثيراً بضع جنيهات حسب ما يبين له من هيئة المريضة ولباسها وطريقة حديثها وأحياناً تكون الوصفة مجانية لمن يبين من هيئتهن الفقر المدقع وما أكثرهن. الفكي (أَبَّكَر) لا يعرف عن القاضي شيئاً سوى أنه الرجل الذي يرسل بالناس إلى المشنقة في بساطةٍ بالتوقيع على بعض الأوراق. لذا فلقد ظل الفكي (أَبَّكَر) يرتجف فرقاً طوال المحاكمة وهو يتتبع بنظراته الوجلة ما تخط يد القاضي. القاضي يضع على عينيه نظاراتٍ طبيةً تزيده وقاراً على وقاره وأمامه طائفةٌ من الكتب المقدسة، بعضها أنزله الله وبعضها أعدته الحكومة. يطالع القاضي في تلك الكتب بين لحظةٍ وأخرى مركزاً على صفحاتٍ معينة يقرأها في تأنٍ ثم يذهب إلى أخرى ليعود إلى الأولى من جديد مستغرقاً فيها والبوليس يحيط بالجميع من كل جانب شاك السلاح. المحامون والمستشارون يتيهون بلباسهم الرسمي الأسود وربطات العنق الأنيقة تتحرك مع حركاتهم الاستعراضية الغريبة فيبدون لعيني الفكي (أَبَّكَر) متشابهين في كل شيء ولا يدري أيهم العدو وأيهم الصديق. صحيفة (الفضيحة) تلتقط الكثير من الصور من مختلف الزوايا للفكي المنكود وهو في قفص الاتهام. يحاول (أَبَّكر) أن يغمض عينيه فلا يستطيع، يفكر أن يخفي وجهه بكلتا يديه فلا يجرؤ. الفكي (أَبَّكَر) لا يحب التصوير ولكنه لم يستطع الاعتراض فما دام أن القاضي يسمح لهم بتصويره فهم على حق، هكذا علمته الأيام العصيبة التي قضاها في حراسة الشرطة. محامي الفكي (أَبَّكَر) تكلم بصوتٍ جهوري متريث وهو يستعرض بنظراته وجوه الحاضرين وكأنه يقرأ مرافعته في أعينهم، ويمشي الهوينى في جنبات القاعة موقَّعاً خطواته المتمهلة على البلاط مستعيناً بيديه وعينيه في شرح ما يقول وأحياناً يهز رأسه نافياً أو مؤمِّناً بحسب الموقف. تكلم المحامي كثيراً باللغة العربية الفصحى وأحياناً كان يستعين ببعض العبارات من لغاتٍ أخرى حين يعجزه الوصف. الفكي (أَبَّكَر) لم يفهم من كلام محاميه شيئاً ولكن إعجابه بالرجل كان بلا حدود. بهره ذلك الصوت القوي والنبرة الواثقة التي يتحدث بها ذاك الرجل دون أن يخشى ذا العوينات الطبية ولا البوليس. العالمون ببواطن الأمور قالوا أن المحامي لم يقل شيئاً ذا بال. كان فقط يستعرض ملكاته الخطابية ويعرض نفسه أمام كاميرات مصوري صحيفة (الفضيحة) ولكن الفكي (أَبَّكَر) كان ممتناً للرجل الذي استطاع أن يتحدث إنابةً عنه وسط هذا الجمع المهيب دون أن يتلجلج.
...........................
الصفحات 25 – 29 من رواية (مرافعة الدكتور جادين الأخيرة)
 أم درمان ديسمبر 2007 – يوليو 2008م

مرافعة الدكتور (جادين) الأخيرة 1

نجوم ونجوم

يبدو سجن النساء بجدرانه الأثرية العتيقة التي يتجاوز عمرها المائتي عام وسوره الحجري الشاهق وقد قبع الحراس في أركانه الأربعة يراقبون كل شيء من علوٍ وكأنه حصنٌ عتيقٌ لأحد ملوك الزمان الماضي. يربض شرق المدينة القديمة على شط النيل الغربي تحيط به الشوارع الهادئة وتلفحه نسمات النيل حيناً فحين. هناك أودعت (نضال) ورفيقاتها.
داخل السجن أنماطٌ شتى من النساء، بعضهن في بياض الحليب وبعضهن في سواد الليل الشجي والبعض الآخر في منزلةٍ بين هاتين. زهراتٌ صغيراتٌ وأشجارٌ ناضجةُ الثمرات وعجائزٌ في خريف العمر جمع بينهن المكان رغم تباينهن حتى يخال الناظر أن جميع نساء المدينة أودعن هنا. 
فناءُ السجن باحة ٌمتسعة ٌ في رحابة ويُسمح للنزيلات بالجلوس فيه للثرثرة والسمر بعض الأحيان. الحياة في سجن النساء ليست جميلة ولكنها أحسن حالاً مما يدور بالخارج. النساء هنا يجمع بينهن الكثير، الإحساس الهائل بالغبن، الهموم المشتركة وشفافية الحزن. استطعن أن يقاومن الرتابة والملل بتبادل صناعة الفرح، ترديد الذكريات الطيبة والسفر عبر الخيال وخلق المفارقات وأحياناً بعض الدموع يغسلن بها قلوبهن المتعبة حين يدهمهن الضعف. يقضين جل وقتهن في الثرثرة وتبادل وجهات النظر حول ما يشغل تفكيرهن وهو الأطفال والزوج.
كانت الأيام الأولى دائما ما تكون موحشةً، حزينةً وقاسية، يضمخها الأسى وتخضبها الدموع ثم لا تلبث النزيلة بعد ذلك أن تعتاد على المكان وتوطن نفسها على هذا الأمر فتنتظم مع بقية المجموعة في صناعة الفرح.
كانت (ميري) بائعة (المريسة) أكثرهن مقدرةً على انتزاع الضحكات من رفيقاتها حين تحكي لهن نوادر زبائنها العجائز. (ميري) ليس لديها المال الكافي لتشتري البلح وتصنع العرقي لتربح الكثير من المال. البلح غال ٍ، تقول (ميري)، والبوليس يهرقه في النهر، لا داعي إذاً للمغامرة. (ميري) تكتفي فقط بصنع (المريسة) من الذرة التي لا تكلف كثيراً ولا تربح إلا القليل إذا لا يغشاها إلا العجائز الثرثارون ذوي الأيدي المقبوضة ولكن (ميري) كانت سعيدةً بهم تنفعل بقصصهم ونوادرهم وتعود لتحكيها للآخرين بإخراجٍ شيقٍ وتمثيلٍ مُتْقَنٍ.
(ميري) ترددت على هذا المكان كثيراً حتى ألفته وألفها وأقامت علاقةً طيبةً مع السَّجَّانات. ولم يكن السبب هو (المريسة) وحدها. البوليس دائماً ما يهاجم بيوت صديقاتها ويضبط كمياتٍ كبيرةً من عرقي البلح. و(ميري) ليس لديها زوجاً أو أطفالاً وفقيرة. لذا فهي مستعدةٌ دائماً لتحمل المسئولية والإقرار على نفسها أمام القاضي بصنع العرقي وملكيته والمتاجرة فيه، ذلك مقابل أجرٍ معلومٍ تدفعه رفيقاتها. القاضي استنتج ذلك من كثرة إقرارها على نفسها بالجرم ولكنه لم يعلق بشيء، فالقانون لا يمنحه هذا الحق وليس أمامه ما يفعله سوى أن يتقبل إقرار (ميري) ويرسلها إلى السجن ويرسل الأخريات إلى بيوتهن ليصنعن العرقي من جديد.
البوليس دائماً يضبط كمياتٍ كبيرةً من العرقي ويهرقه في النهر. (ميري) تقول أن (المريسة) لا تكلف الكثير من المال ولكن إهراق العرقي يسبب خسارةً فادحةً ويجعل عيون (لوجينا) تحمر مثل الشطة، و(لوشيا) ترغي وتزبد وتهدد وتتوعد وتقول أنها ستذهب في الصباح لتشكو البوليس للجيش الشعبي. ترد عليها (تريزا) في حزنٍ بأن هذه المدينة قد جعلت الجيش الشعبي بوليساً أيضاً. بينما تكون (أدوك) صامتةً تلك الليلة وحزينة.
البلح غالٍ، تقول (ميري). الجوال وصل إلى ثلاثمائة جنيه. عرب (حَقَّارِيِنْ) يبيعون لنا البلح بأسعارٍ باهظةٍ ثم يصادرونه بعد أن نتعب في صنعه ويهرقونه في النهر. فأين العدالة إذن؟! أين السودان الجديد؟! تحتج (ميري). ثم تلتفت نحو (نضال) لتسب لها الجميع بما فيهم الجيش الشعبي وتنفجر (نضال) في الضحك وتحاول أن تطيب خاطرها ببعض الكلمات. 
(حسنية رحَّال) جاءت إلى السجن بعد أن سرقت جوالاً من الدخن (الدامرقا). تضحك (حسنية) كثيراً وهي تقص على رفيقاتها كيف تمت السرقة. (حسنية) تقول أنها تحب عصيدة الدخن باللبن. (نضال) تقول لها أن قليلاً من الدخن كان يكفي لصنع العصيدة يا (حسنية) وليس جوالاً كاملاً. تغوص عينا الأخرى في الفضاء طويلاً ثم  ترد بقولها:
-  ابن (آدم) طَمَّاع، هكذا خلقه الله. وهكذا سيبقى إلى الأبد.
تحاول (حسنية) أن تشرح لهن كيف تم القبض عليها وكيف جرت محاكمتها. داهم البوليس منزلها عند الفجر وقام بتفتيشه. تضخم صوتها ثم تقفز أمامهن منتصبة القامة. تناولها السَّجَّانَةُ (خميسة كورينا) بندقيتها لتؤدي بها المشهد. السَّجَّانَةُ دائماً تعير بندقية الحكومة لـ(حسنية) عند تمثيل الأخيرة لهذا المشهد. السَّجَّانَةُ كانت تعلم أن هذا المشهد لن يكون شيِّقاً إلا بالبندقية. السَّجَّانَةُ تضحك كثيراً حتى تدمع عيناها. (حسنية) قادرةٌ كانت على إضحاك الجميع بما فيهم السَّجَّانَة. تمسك بالبندقية في قوةٍ وتشهرها في وجوههن وتصرخ بصوتٍ حاد:
-  أثبت مكانك. بوليس.
(حسنية) تقول أن البوليس لم يجد أثراً للدخن حيث أنها أخفته في منزل صديقتها (ست البنات) بعد أن تعشت هي وأطفالها منه ورغم ذلك فلقد قبض عليها. تقول (حسنية) أن عربة البوليس أطلقت (سرينتها) وهي تنطلق في الشوارع مسرعةً متوجهة بي إلى قسم الشرطة للتحقيق ورجال البوليس يحيطون بي وهم يحملون البنادق (كلاشنكوف). (حسنية) تقول:
-  كنت أخشى أن يحيلوني إلى الكشف الطبي!
 تتساءل (ميري) وهي ترفع حاجبيها دهشةً:
-  (حسنية). هل كنتِ سكرانة؟!
فتنفجر (حسنية) في ضحكةٍ طويلةٍ تستغفر بعدها الله ثم ترد على صديقتها بقولها:
-  وهل نسيتِ أنني تعشيتُ بعصيدة الدخن وأنهم سيرونه داخل بطني إذا استعملوا بعض الأجهزة الحديثة؟!
فتنفجر النساء جميعهن ضاحكات.
ثم أحيلت (حسنية) إلى النيابة العامة والتي وجهت الشرطة بإعادة استجواب شهود الاتهام. ثم حولوها إلى المحكمة. وكيل النيابة رأى أن هنالك بينة مبدئية لتوجيه اتهام تحت الماددة 174 من القانون الجنائي للدولة. ومثلت (حسنية) أمام قاضٍ وقورٍ اتهمها إنابةً عن حكومة الجمهورية بسرقة جوالٍ من الدخن (الدامرقا).
تضيق عينا (حسنية) أكثر. رنة حزنٍ شفيفٍ تسربل صوتها وهي تعلق قائلة:
-   الأمر لم يكن يستحق كل هذه الضجة. صاحب الجوال تاجرٌ ميسور الحال وبمخزنه تسعة جوالات أخرى من الدخن.
وحين لا تعلق أي من رفيقاتها بشيء ترفع (حسنية) عينيها نحوهن لتضيف:
-  ابن (آدم) طماع ولا يملأ عينيه إلا التراب.
وكيل النيابة الجنائية شابٌ نشطٌ مخلصٌ في عمله وقد أصر على تمثيل الاتهام أمام المحكمة بنفسه كما استعان صاحب الجوال أيضاً بأحد المحامين الكبار. تقول (حسنية): صاحب الجوال قال أنه لا يثق في قدرات محامي الحكومة، لذا أحضر ذاك المحامي الضليع ليترافع أيضاً ويضم جهوده إلى جهود محامي الحكومة. وفي الجانب الآخر تطوع المدافعون عن حقوق الانسان من محامين وإعلاميين وشعراء للدفاع عن المتهمة ومساندتها كل حسب تخصصه.
(حسنية) فوجئت بكل هذا الصخب فبدا لها أن تريح وتستريح فأقرت على نفسها بسرقة جوال الدخن (الدامرقا) مما أصاب المحامين بالإحباط فمزقوا مرافعاتهم البليغة وحملوا حقائبهم الضخمة وخرجوا من قاعة المحكمة وهم يسبون ويلعنون.
(حسنية) تضحك كثيراً حين تختم قصتها. ثم تشخص ببصرها نحو السماء وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتغرق في التفكير العميق بينما تنشغل رفيقاتها بسماع حكايةٍ أخرى لزميلةٍ جديدة.
الصفحات 51 - 57 من رواية مرافعة الدكتور جادين الأخيرة
ديسمبر 2007م يوليو 2008م - أم درمان